قطف ثمار" الانسحاب الأميركي لبنانياً قد يدفع البعض إلى الاصطدام.. بالواقع
جرعة التخوين إيّاها لم تعد مجدية
يروّج "خطاب الممانعة" في هذه الأيّام إلى أنّ الإنسحاب الأميركيّ من العراق شاهد على هزيمة المشروع الأميركيّ في المنطقة والعالم، وأنّ المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية أميركية هي محاولة فاشلة للتستر على هذه الهزيمة. بعد ذلك يعرّج هذا الخطاب على الوقائع اللبنانية فيدرجها في سياق قطف ثمار الهزيمة الأميركية في العراق.
طبعاً يحكم هذا الخطاب على الأميركيين بأنّهم هزموا في العراق بالإستناد إلى معيار لا يمتّ بصلة إلى مقياس الممانعة. فإذا كان المعيار هو إسقاط النظام الديكتاتوري فمن الواضح أنّ الأميركيين لم يسلّموا العراق ثانية إلى صدّام حسين ولا إلى إيران، وإذا كان المعيار هو إقامة نظام ديموقراطيّ فيبدو أنّ الأميركيين نجحوا إلى حد كبير في هذا الإطار، ولكن هل هذا هو المعيار الذي يستند إليه خطاب الممانعة في الأساس؟
والممانعون يروّجون إلى أنّ المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين نشأت عن حاجتين أميركية وإسرائيلية بالإضافة إلى حاجة "بعض العرب". طبعاً، مقولة "بعض العرب" صارت تحيل دائماً في خطاب الممانعة على تفضيل للعنصر الأعجميّ على العنصر العربيّ. ومع هذا فمن الصحيح تماماً انّ هناك حاجة أميركية للسلام تتزيّن بلون معيّن في إطار الإستراتيجية الشرق أوسطية العامة لكلّ إدارة، وهناك حاجة عربية للسلام تستقرّ عند المبادرة العربية للسلام. لكن أين هي الحاجة الإسرائيلية، وأين هي حاجة حكومة بنيامين نتنياهو بالدرجة الأولى؟
سواء كانت المفاوضات ذات فعالية أو لا فمن الواضح تماماً أنّ حكومة نتنياهو قد جرّت إليها، بشكل يعيد تسليط الضوء على المعادلة الأساسية، وهي أنّ مبادرة السلام العربية تحسّن الشروط الفلسطينية والعربية في الصراع وفي التسوية، في حين أنّ كل مزايدة على العرب من خلال التحامل على مبادرتهم السلامية تلك إنّما يصب في خانة "تواطؤ الأضداد" في المنطقة، وفي خانة تفتيت الكيانات العربية، والتشتيت السياسيّ للشعب الفلسطينيّ.
ونصل إلى حديث الممانعين عن قطف ثمار الهزيمة الأميركية في العراق في لبنان، وهو حديث يترافق مع زيادة ملحوظة في منسوب التخوين.
فنجد أنّ ثمّة ما تحقّق في الأسبوعين المنصرمين، إذ تصدّع وإلى حدّ كبير ذلك الخوف القابع في الصدور منذ أكثر من عامين، سواء في بيروت أو في بقية المناطق اللبنانية.
وهكذا صارت جرعة التخويف والتخوين والتعنيف إيّاها التي نحقن بها بشكل يكاد يكون شبه يومي منذ سنتين، غير نافعة ولا مجدية. وبتنا أمام مفترق حقيقي: فإمّا زيادة الجرعة التهويليّة الإحباطيّة التطويعيّة بشكل نوعيّ.. ولذلك ثمنه وشروطه وتداعياته ومضاعفاته، وإمّا العدول عن هكذا جرعة إلى اتجاه أكثر تكيّفاً مع الواقع التعدّديّ اللبنانيّ، هذا الواقع الذي حكم ويحكم على أي جماعة إستئثارية أو إستعلائية بالدخول عاجلاً أم آجلاً في منطق الفشل التاريخيّ الذريع.
حتى الساعة ثمّة من يحاول أن يفلت من وجوب الإختيار بين زيادة الجرعة أو إنقاصها، فيتصوّر أنّه يمكنه أن يكتفي برفع منسوب التخوين والتخويف دون رفع مواز لمنسوب التعنيف. إلا أنّ ذلك لن يقدّم كثيراً، فكل تخوين وتخويف يبلغ مستويات متطرّفة ولا يرتبط برفع منسوب التعنيف إنّما يرتدّ سلباً على كامل منظومة التعبئة في هذا الإتجاه. وهذا يسهم شيئاً فشيئاً في تطوّر التعبئة المضادة للتخوين والتعنيف. بل أكثر من ذلك، تصير هذه التعبئة المضادة سانحة وفاعلة من دون أن تكون بحاجة إلى توتير في الخطاب، ومن دون أن تكون بحاجة إلى الردّ على ما هو فئوي بالإكتفاء بما هو فئويّ.
بيد أن هذين التخوين والتخويف لا بدّ أن يستدعيا التعنيف مجدّداً. وما حدث في الإشتباكات الأخيرة أنّ التعنيف استخدم في اتجاه "النيران الصديقة" فيما التخوين والتخويف استخدم في اتجاه آخر، إلا أنّ الجولات المقبلة لن تكون على هذا النحو، كما أنّها ستعود إلى القاعدة الأساسية: وهي أنّ المنسوب المعهود من التعنيف والتخويف كما منذ عامين ما عاد مجدياً. فإما المزيد وإما العدول.
في الحالتين، الكرة في ملعب معسكر الممانعة. وإذا أصرّ هذا المعسكر على قراءة الخارطة على أساس أنّ ثمة هزيمة تاريخية كاملة للمشروع الأميركيّ وأنّه لا بدّ من قطف ثمار ذلك، فإنّ التشاؤم "القريب أو المتوسّط الأمد" سيكون الممرّ الإجباريّ لإعادة إلتماس أسباب التفاؤل "البعيد الأمد" في لبنان.