الأنعزال لغة، هو التنحَي والأبتعاد واتخاذ خطَ مخالف للمجموع. والأنعزالية هي سياسة تتبعها جماعة تتجه اتجاها مخالفا لما يجاورها من جماعات. وقد أطلقت هذه التسمية على دول ومجمَعات سياسية أو أثنية خلال القرن الماضي وفي ظروف متباينة، أبرزها عندما تمَ وصم المسيحيين بتهمة الأنعزال بعد أن قرروا مواجهة المخطط الرامي الى استبدال فلسطين بلبنان. وقد خالفوا وقتذاك الأجماع الداخلي والأقليمي والدولي أيضا، ودفعوا غاليا ثمن "انعزالهم" شهداء وتهجيرا، لكنَ فعل انعزالهم أخرج الوطن من جوف الحوت وأعاد له الأمل بالبقاء. وعلى هذا الأساس بدَل المسيحيون مفهوم الأنعزال بواسطة نتيجته، فأصبح أيجابيا بعد أن وصَفه اليساريَون والحركيَون حينها بأنَه الخيارالبغيض.
وبعد أن أنطوى الكلام في هذا الموضوع لمسافة زمنية طويلة، حتى كدنا ننسى أنَه كان موجودا في الأساس، يحاول بعضهم استرجاع القاموس البائد، والنكش عن مفردات عفَ عليها الزمن، واستنهاض الذاكرة المفخَخة، لأسباب يعرفها الجميع وتصبَ في أطار الفاتورة السياسية التي عليه أن يدفعها كاملة من دون أي انتقاص، أو هو يقع في المحظور فيؤدَي فاتورة أخرى باهظة، بنودها سلامته وأمن مجتمعه الأقلَوي.
يجدر التذكير، في هذا المجال، بالأعتراف الصارخ الذي أدلى به مسترجع اللفظ في الحقبة المنصرمة، وبصورة متكرَرة، مشيرا الى الخطأ الجسيم الذي أتته الحركة الوطنية خلال الحرب البغيضة اللبنانية الفلسطينية، بوصف حزب الكتائب بالأنعزالي ما جعل المسيحيين يتكوكبون حوله، فازداد مؤيَدوه بشكل لافت وأصبح رأس حربة حادا. وقد نصح المسترجع بعدم استخدام هذا الأتهام الذي من شأنه أن ينعكس أيجابا على من يوجَه اليه، ويرتدَ بالتالي على من أطلقه. فما باله أقفل على ذاكرته فوقع في الخطيئة التي حذَر منها؟
أما الأهداف التي يرمي اليها من يقف خلف المسترجع ويحرَكه، فلم تعد مموَهة. انَ رمي الغالبية المسيحية ومن يتعاطف مع توجَهاتها بتهمة الأنعزال يعني صبغ هذه الفئة السياسية بلون الأنحراف عما يراد فرضه على أرض الواقع السياسي والأمني في لبنان، هذا الواقع الذي يتوهَم بعضهم أنَ أكثر اللبنانيين يجمع عليه، وكأنَ الجهة المسيحية تغرَد منفردة خارج سرب الواقع "المفروض"، وتعرَض بالتالي الساحة الوطنية والمسيحية على وجه الخصوص، لأهتزازات خطيرة تتحمَل نتائجها الوخيمة وحدها. وهذا الأتهام يشكَل أيضا رسالة الى بعض الأفرقاء لتجنَب هذا "الوباء" الأنعزالي كي لا تنتقل اللوثة اليهم بالعدوى. وهكذا يتمَ أقصاء الفئة الأكثر أزعاجا، فتنكفئ وحيدة على نفسها ويخفت وهجها بشكل تدريجي. فتخلو الساحة لمن يستبيحها ولمن يراوده حلم العودة للأمساك بها ورقة تفاوضية أو جائزة ترضية تعويضية مكتنزة.
أذا كان "الاجماع" المتوهَم يريدونه ملزما في القضايا الخلافية – وهي مشروع قيام الدولة القادرة، وامساك القوى الشرعية بمسؤولية الأمن والتفرَد باقتناء السلاح، وبسط سلطة القانون فوق مساحة الوطن، وامتلاك الحكومة قرار السلم والحرب – هذه القضايا التي يتخذ المسيحيون منها موقفا مبدئيا استراتيجيا، وتجاريهم الغالبية الوطنية في هذا الصدد، ما يجعلهم عاصين على التدجين وغير آبهين للتهديد الذي يلوَح به من يمتلك السلاح في كل مناسبة. واذا كان من يخالف هذا الأجماع يتمَ رشقه بحرم الأنعزالية الممجوجة، عندها يصبح المسيحيون أكثر المتقبَلين للتهمة كراية فخر وليس كوصمة عار، لا بل يعلنون عن نفسهم جهارا بأنَهم الفئة الأنعزالية الطليعية من دون منازع. ولا يتوانون بالتالي عن القيام بالدور الوطني المسؤول، أذا ما خيَل للبعض أنَ فكرة استبدال حيثية قائمة بأخرى مستوردة يمكن أن تفرض بالقوة.