سأل النائب ميشال عون أول من أمس عمّا يفعله رئيس الجمهورية ميشال سليمان غير البكاء؟ السؤال، وان حمل طابع الانتقاد والهجوم المباشرين، الا انه يجد جوابه في المتبقي من كلام عون نفسه، ولا حاجة لكثير ذكاء للعثور على أجوبة إضافية من واقع الحال، اذ انه، أمام الوقائع المأسوية، ليس في وسع رئيس البلاد، بل الرؤساء معاً، غير البكاء، بل وحتى الندب.
فلماذا لا يبكي الرئيس عندما يتابع ويراقب ويشاهد ويستمع الى الواقع المحيط به، ومنه على سبيل المثال لا الحصر:
– خطابات السياسيين، ومنها كلام العماد عون نفسه عندما يهاجم القطاعات والوزارات، ما عدا وزارة الطاقة اذ يعتبر ان مشكلاتها موروثة من حقبات سابقة، ويتناسى ان أوضاع كل الوزارات متشابهة لناحية الفساد المستشري منذ زمن. وكلام عون نفسه عن "عمالة" القضاء في زمن الوصاية وعدم الثقة به، ثم الاستشهاد به عندما يتحدث عن الأحكام التي صدرت في حق خصمه السياسي سمير جعجع.
– خطابات السيد حسن نصرالله التي هدد فيها بقطع كل يد تمتد الى سلاح المقاومة، منصّباً نفسه محل السلطتين القضائية والتنفيذية، ثم عدم تجاوبه مع أي طرح يتناول الإستراتيجية الدفاعية، وعدم تقديمه البدائل في صولات وجولات مؤتمر الحوار الوطني، ثم اتهامه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بأنها اسرائيلية، في دعوة مباشرة، لا الى تصويب التحقيق، بل الى إلغائه، وترك الباب مشرعاً أمام اغتيالات وجرائم جديدة لا حسيب عليها ولا رقيب.
– متابعته اليومية لعدد من مانشيتات الصحف، وقراءته في ما بين السطور، الرسائل المتعددة المصدر والهدف، والتي غالباً ما تصيب خياراته، بل توجهاته قبل ان تتحول واقعاً مفروضاً.
– مراقبة حاله عندما حاول التفلت من بعض القيود، كيف وجد نفسه محاصراً من حلفاء سوريا في ظل عدم توفير الدعم له من المعارضين لسياستها في لبنان، وكيف حوصر، ومعه رئيس الوزراء المكلف، خلال عملية تأليف الحكومة من مختلف القوى السياسية، وفي طليعتها المسيحية، التي تزعم دعم موقع الرئاسة الأولى، فيما هي تمعن في إضعاف الرئيس.
– متابعته وقائع معارك وحروب الداخل في برج أبي حيدر، وقبلها 7 أيار في شوارع العاصمة وبعض الجبل، والاشتباكات المتفرقة في سعدنايل وتعلبايا، وفي جبل محسن وباب التبانة… وقابليتها المتجددة للانفجار في ظل عجز الدولة عن فرض هيبتها الا من طريق اجراء مصالحات محلية عشائرية.
أضف الى ذلك معضلة السلاح الفلسطيني في المخيمات، وفي خارجها خصوصاً، وامتناع كل الأطراف السياسيين عن دعم تطبيق ما ذهب اليه مؤتمر الحوار الوطني في شأن هذا السلاح، بل ومزايدة عدد من السياسيين في توفير الدعم لإبقاء هذا السلاح واعتباره مقاوماً.
– تدقيقه في ملف عملاء اسرائيل في لبنان، عددهم، ومستواهم الاجتماعي والمهني، وتنوعهم الطائفي، ونفاذهم الى المؤسسة الأحب الى قلبه، ثم التفكير ملياً في بلد غارق في العمالة على أنواعها، ولو اختلف الممول والمحرك، اذ ان الذين لازموا عنجر سابقاً، أو سفارات الدول العربية والأجنبية، ووفروا بذلك مصالحهم الشخصية ومصالح تلك الدول، وقبضوا أموالاً، هم في طبيعتهم الأساسية عملاء، وما أكثر الذين تنقلوا ما بين اسرائيل وسوريا، وهم يبالغون، ويزايدون في إسماعنا المواعظ الوطنية والعروبية.
– اطلاعه على تقرير عن وضع مؤسسة كهرباء لبنان وما فيها من متأخرات في الدفع بلغت حتى تاريخه 5 ملايين و700 ألف فاتورة غير مسددة، إضافة الى عجز الدولة عن إزالة التعليقات على خطوط الشبكة في غير منطقة، رغم ادعاءات نوابها ان معدل الجباية يتجاوز الـ80 أو 90 في المئة، ويغفلون عن قيمة الفاتورة غير الحقيقية في غير منطقة ولعائلة من خمسة أفراد وأكثر والتي لا تتجاوز في الشهر الـ20 ألف ليرة(؟)
– سماعه الشكاوى من أوضاع الضمان الاجتماعي وعجز الضمان الاختياري عن سداد مستحقاته، (…) ومراقبته مسلسل المرامل والكسارات والمقالع التي تقضي على جبال لبنان وثروته الحرجية لينضم رويداً الى محيطه الصحراوي (…) ومتابعته الفوضى الحاصلة في مصلحة تسجيل السيارات والآليات، وعدم خضوع أكثر من نصف السيارات المسجلة في لبنان للمعاينة الميكانيكية (…) وعلمه الأكيد بتداخل عمل الأجهزة الأمنية وتضاربها أحياناً وتدخلها في السياسة وتمردها على سلطتها السياسية غالباً (…)
بعد كل هذا، هل نحرم الرئيس البكاء؟ أم نبكي معه على حالنا المتردية، والتي تزداد مأسوية كل صباح، والفضل في ذلك بالطبع الى سياسيينا، وأحزابنا الراعية للفساد المستشري وللاستقواء على الدولة!
هل يبكي الرئيس؟ نعم، فلا مبرر للضحك أبداً.