كيفما قرئ كلام الرئيس سعد الحريري الى "الشرق الاوسط" يوم الاثنين الماضي، فهو كلام للتاريخ. وما صدر على شكل سؤال وجواب يبدو في الحقيقة اشبه ببيان رسمي، دقيق الصياغة، يدرك صاحبه كيف سيكون وقعه على المعنيين بالمسألة، بدءا من دمشق، وبدءا ايضا من عائلة الحريري، وبدءا من 14 آذار وبدءا من مؤيدي الحريري في انحاء لبنان.
البيان عن العلاقة مع سوريا يتجاوز مواقف ومفاصل كثيرة، اولها القرار 1559، الذي كان ولا يزال موضع الجدل الاساس. وهو ينقض، على نحو ما، تقارير المحققين الدوليين، الذين امر بعضهم باعتقال الجنرالات الاربعة. وبصفتيه الاساسيتين، "ولي الدم" ورئيس الوزراء، يقلب صفحتين قضائية وسياسية، غطتا على الحياة في سوريا ولبنان طوال نصف عقد.
باختصار، نقل الحريري العلاقة بين سوريا والفريق الذي يتزعمه، من القطيعة الى التحالف. وكانت مقدمة ذلك ان الرجل لم يعد يحل ضيفا على الافطار في "قصر الشعب"، وانما على السحور، الذي هو عادة لأهل الدار. ويشكل ذلك كله بداية، لا ذروة، لعلاقة جديدة، لا شك في ان تفاصيلها وعناوينها قد طرحت في لقاءات دمشق، اولا، في قمة الملك عبدالله والرئيس بشار الاسد، ثم في زيارات الرئيس الحريري.
يغير الموقف الجديد الكثير في الصورة السياسية الداخلية. فلم تعد خريطة الحلفاء والخصوم نفسها بالنسبة الى دمشق. ولم يعد جمهور الوفاء والعداء هو نفسه ايضا. كما يعكس ذلك تغيرا اقليميا مهما. فهو يكرس قيام مرحلة جديدة من العلاقة بين دمشق والرياض، اوكل الملك عبدالله مهماتها الى نجله تركي، شخصيا، اي خارج نطاق القنوات الديبلوماسية المألوفة. فكيف ستنظر ايران الى هذا التطور، وقد اصبح لسوريا امتدادان اقليميان دوليان بالغا الاهمية: انقرة والرياض.
والعلاقة المثلثة: انقرة الرياض دمشق، لا تشمل الوضع في ترتيبات واضطرابات لبنان وحده، بل تنعكس خصوصا على تحولات وتطورات العراق، حيث ينشأ متغير اقليمي له ارتدادات مباشرة على العواصم الثلاث ذات الحدود المشتركة مع الدول الغارقة في مسار التفكك والنزوع نحو التجمعات الطائفية والعرقية.
ماذا سيحدث للهدنة السياسية في لبنان؟ هل يسهل قيامها الآن، ام ان "المحكمة الدولية" سوف تظل عنوانا للنزاع القائم بين من "يطلب العدالة" ومن كان يراها عملا "اميركيا اسرائيليا" فصار يراها محكمة اسرائيلية مطلقة؟ وهل سيكتفي الضباط الاربعة بالتعويض المعنوي ورد الاعتبار، ام انهم سيطالبون بالتعويض السياسي؟ وماذا عن السجناء الآخرين؟ والى اي مدى سوف تؤثر شهادة الرئيس الحريري على صدقية المحققين والشهود على السواء، بعد قوله ان شهود الزور ضللوا البلد وضللوا العائلة على السواء.
مر رمضان وسعد الحريري يحاول ان يقدم نفسه الى اللبنانيين، من قريطم لا من بيت الوسط. وفي افطارات قريطم كان رفيق الحريري يقدم نفسه الى الناس على انه رجل منهم. وكان يرفع شعارين: الألفة وان لبنان نصفان، مسلم ومسيحي. وبدا كأن هذه المسألة مطروحة الآن الى درجة ان الرئيس نبيه بري اثارها في خطاب ذكرى الامام الصدر عندما قال ان الطائفة الشيعية ملتزمة اتفاق الطائف.
والتقى بري والوزير وليد جنبلاط في التمييز ما بين القرار الظني والمحكمة الدولية نفسها. واما ما يحاوله سعد الحريري فهو التمييز بين القرار الظني والبلد نفسه. لذلك كانت معالم الصورة من قريطم، صلابة الموقف وليونة الخطاب، او ما سماه الرئيس ميشال سليمان آداب الخطاب، في الوقت الذي منحت كنائس لبنان مذابحها لانجيل جديد، يبحث تحت سقف الكنيسة عن "إله فرع المعلومات" ويؤنِّب، موبخا رئيس الجمهورية ووزراءه، فردا فردا. ثم يرفع يديه تكرارا، محييا المصلين البالغين الخشوع، يرفرف حولهم جناحا مار مخايل، المثلث النعمة، لان الطوائف جميعها تعترف به.
ربما يحسن بنا ان نستعيد شيئا من سيرة ميشال سليمان، ثالث عسكري يصل الى القصر الجمهوري. المدفع الوحيد الذي فتح فوهته كان ضد "فتح الاسلام"، حيث دفن الضباط والجنود الشهداء من رفاقه، بكامل اصول الشرف العسكري. بكاهم. وواسى اهلهم. ورفع شهادتهم فوق صدر الجيش.
عندما انشق البلد في 7 ايار، وقف ميشال سليمان بين المتفائلين، لا على رأس فريق منهم. كانت المغريات كثيرة، على ابواب الرئاسة، والبطولات المعروضة كثيرة. وجميعها تسبقها مبرراتها ومسوغاتها واوشحتها. لم ينحرف بالجيش الى اي مكان. كان جالسا في اليرزة معه ورقة وقلم يحصي عدد الفصائل، لا عدد النواب.
هذه صورة لبنان. قبله فؤاد شهاب رفض ان يغل الجيش في دماء الشعب. لذلك رفضوه. مات وحيدا ومعه "الكتاب" الذي رفض مخالفته. نسبوا الى عذراء حريصا انها ادارت ظهرها له، لانه كان عادلا ونقيا ولا يكف عن البكاء على صغارات اللبنانيين. حاول تحريرهم من الاقطاع ومن المسدسات "المرخصة"، ومن همجيات القبائل، ومن الانتماء الى العبوديات على انواعها، ثم رآهم في الجامعات والكنائس والمدارس – ولو عاش لشاهدهم في الروضة ايضا – يتقاتلون على امكنتهم خلف البكوات وازلام البكوات.
اريد رحمة لا ذبيحة، قالها المسيح وهو يتأمل هيجان البشر تتدافع بلا ذرة تفكير في كل اتجاه. كان معنيا بالناس جميعا وبالخير جميعه. ولما رأى ما رأى نظر الى ربه وبكى سائلا: لماذا تركتني.
ميشال سليمان هو قائد الجيش الوحيد الذي دخل القصر الجمهوري من دون اقتحام، لا قبل ولا بعد. اعاد الحياة المدنية الى القصر الجمهوري. اعاد العمل بـ"الكتاب" والدستور. اعاد جدية الخطاب المكتوب، لئلا يلحن بحرف او يخرج على ادب كلمة.
يعيد ميشال سليمان وسعد الحريري فضيلة كبرى الى الخطاب السياسي في لبنان، فضيلة التواضع، والخوف الى إله واحد، لا علاقة له بفرع المعلومات، إله يحل على الناس الطمأنينة والسكينة وهدوء الانفس وعظمة الترفع.
وكل عام وانتم بألفة.