#adsense

“مقبّلات” لمعركة إسقاط المحكمة

حجم الخط

ربما يكون كثيرون وقعوا في التبسيط حين حصروا دوافع الهجوم الناري المفاجىء الذي شنه العماد ميشال عون على رئيس الجمهورية وأربعة وزراء وشعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي والصحافة والاعلام، بتداعيات توقيف العميد المتقاعد فايز كرم. ملامح هذا التبسيط برزت مع تطورين غير محسوبين ايضا عقب هجوم عون، هما إشهار أوسع حملة دعم للرئيس ميشال سليمان في مواجهة الهجوم العوني، ومن ثم حصول عون على اسناد يتيم من حليفه "حزب الله". ومع هذين العاملين تنتفي الصفة الفجائية على الاقل عن الهجوم العوني ومضاعفاته وترتسم تاليا ملامح حال متوترة مسيحية في خطوطها المباشرة الى جانب ما يسمى اصطلاحا التهدئة المعنية بها أساسا القوى السنية والشيعية.

يبدو هذا التطور في طلائعه الاولية كأنه يؤسس فعلا لوضع اشكالية ثابتة طويلة المدى من المناهضة العونية للرئيس سليمان، شبيهة الى حد بعيد بهذه المناهضة نفسها للبطريرك الماروني. وفي التوقيت الذي أطلق فيه عون هجومه، سيكون من السذاجة اغراق دوافعه وحصرها بمسألة توقيف العميد فايز كرم وحدها. خصوصا ان عون اختار لاطلاق هجومه المتشعب والمتعدد الجهة مناسبة جماهيرية، عقب طلائع مقاطعته لجلسات الحوار. يمكن في هذا السياق بداية الاستدلال على اسناد عوني لـ"حزب الله" في مشارف التعامل مع مرحلة صعبة مقبلة، ممنوع فيها الانقلاب على السلطة بفعل المحدلة السورية – السعودية، ولكن مسموح فيها توسيع هامش المناورات السياسية من ضمن توازن ترعاه هذه المحدلة.

فاذا كان "حزب الله" نفسه اضطر الى المهادنة والمضي في دعم الحكومة لمستلزمات التهدئة والمهادنة ومنع تفتق الفتنة عقب أحداث برج ابي حيدر، فان ذلك رسم معالم تنازلات جوهرية أرغم عليها الحزب رغم قدرته المعروفة على قلب الطاولة. معنى ذلك ان الحزب يمر حاليا في حالة حرجة لا يجد معها مفرا من مراعاة خطوط حمر واحترامها و"التنازل" حيالها عن طموحات انقلابية عالية.

في المقابل تجرع رئيس الحكومة سعد الحريري كأسا قاسية أخرى أرغمته بعد زهاء عشرة أشهر من بداية انفتاحه على سوريا على اطلاق اعلان دراماتيكي عن نهاية مرحلة الاتهام السياسي لسوريا، ولو أن قوى 14 آذار كفت فعلا عن توجيه هذا الاتهام منذ زيارته الاولى لدمشق، وهو تنازل موصوف من الدرجة الاولى معنويا وسياسيا ومبدئيا.

بذلك يبدو كأس التنازلات بمثابة شرط قسري دوار ومتدحرج الآن، لكنه لا يحول دون فتح الصراع السياسي على مسارب أخرى يجد فيها متنفسا للاحتقانات ويسهل ضبطها بتوازن سحري مماثل. فلن يضير العماد عون في هذه الحال التبكير في فتح آفاق معركة رئاسية في مواجهة العهد مما يشكل واقعيا عامل اسناد خلفي لـ"حزب الله" حين يشرع معركته الحاسمة لاسقاط المحكمة الخاصة بلبنان لبنانيا. ولكن رئيس الجمهورية نفسه لا يخرج خالي الوفاض من نعمة هذا الهجوم، باصطفاف مروحة واسعة من المدافعين عنه في مواجهة عون، وهو "تشكيل" يمكن ان يؤسس لفرز مسيحي مبكر على هامش هذه المرحلة القسرية التي يبحث فيها معظم اللاعبين المسيحيين عن دور يتمكنون عبره من النفاذ الى المعادلة السنية – الشيعية الطاغية على كل المشهد اللبناني. واذا كان من حصيلة يمكن صوغها بصعوبة لهذه المعادلة فهي أن الانقلاب ممنوع والفتنة ممنوعة والاستكانة ايضا ممنوعة، حتى اشعار آخر عنوانه التوقيت الحاسم لاعلان معركة اسقاط المحكمة الدولية لبنانيا، والتي تدرج التنازلات والهجمات والكرّ والفرّ الآن في اطار "مقبّلاتها" ومقدماتها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل