#adsense

هناك من يخفي على جمهوره حقيقة وجود أكثرية في المجتمع

حجم الخط

"الاستقلاليون" أقرّوا بأن مهمتهم مريرة و"الممانعون" يكابرون بأن انقلابهم "سهل"
هناك من يخفي على جمهوره حقيقة وجود أكثرية في المجتمع

ينقسم اللبنانيّون بشكل حاد إلى مجتمعين سياسيين منذ أكثر من خمس سنوات. الجميع يعرف ذلك وإن لم يكن يقرّ بذلك الجميع.
فأحد هذين المجتمعين السياسيين يكابر بين الفينة والفينة على هذه الحقيقة، فيستسهل تخوين أكثر من نصف المجتمع اللبنانيّ، وينقسم أركانه مداورة بين من يتعفّف عن "إنقلاب" شامل ومن طبيعة شموليّة (توتاليتاريّة) يزعمون أنّه (الإنقلاب) في مستطاعهم بجرّة قلم، وبين من يأسف لأنّ هذا الإنقلاب المنتظر لم يتمّ بعد، وبين من يتصرّف على أنّه آت قريباً. والحال أنّه لو سادت مثل هذه العقلية في التاريخ لما قامت لا ثورة فرنسية ولا روسية ولا صينية، ولما نجح أي إنقلاب عسكريّ!

ومن جهة نجد المجتمع السياسيّ "الإستقلاليّ" قد أقرّ باكراً، سواء في السياسة أم في الأمن أم في الثقافة ام في الإقتصاد، بأنّ الإستقلال اللبنانيّ الثاني مهمّة تاريخيّة صعبة ومريرة، وأنّ بناء الدولة يحتاج إلى مرحلة تاريخية إنتقالية كاملة جرى الإصطلاح على تسميتها مشروع "العبور إلى الدولة". لكن المجتمع السياسيّ الآخر، "المقاوم" و"الممانع" و"المسلّح" قبل كلّ شيء آخر، و"السلاحيّ" إن صحّ التعبير لأنّ هويّته سلاحه، وأيديولوجيّته سلاحه، لا يقرّ بأية صعوبة.
لا يوجد في "مجتمع السلاح" من كبيره إلى صغيره من يمكنه أن يعترف بأنّ الإطاحة الإنقلابيّة بالصيغة اللبنانية هي أمر عسير، بل مستحيل. كل ما هناك هو الإعتراف بأنّ هذا الإنقلاب لم يتم بعد إمّا تعفّفاً ومجاملة وإما شفقة وإمّا لأنّه إنقلاب في طور الإعداد أو ينتظر اللحظة المناسبة أو لأنّ طبيعته تقتضي أن يجيء متدرّجاً على مراحل.

والشيء نفسه يقال بالنسبة إلى "السهولة" التي ينظر من خلالها "مجتمع السلاح" إلى الصراع العربيّ الإسرائيليّ، فيرى زوال إسرائيل قريباً بفعل الخيبات العسكرية للدولة المعادية معطوفة على تناقضاتها الداخلية، ولا يرى بالتالي أنّ الصراع مع إسرائيل يستلزم نهضة حضاريّة عربية على طريق التنوير والحداثة والديموقراطية. بل على العكس تماماً يعتبر أنّ التفكير بهذه النهضة يعوق الإندفاعة الغيبيّة البطوليّة لقوى المقاومة والممانعة.

والمفارقة الكبرى في هذا المجال هي أنّ "مجتمع السلاح" يجمع بين الشيء ونقيضه، أي أنّه يجمع بين البحث عن "أبطال" فوق الزمان والمكان وبين إستسهال كل شيء، في حين أنّ شرط الفكرة البطوليّة في الملحمة وفي التراجيديا وعبر التاريخ كانت عدم إستسهال المعارك والتحديات.

لكن السؤال يبقى هل يمكن التوصّل بين هذين المجتمعين السياسيين المتقابلين والمتناقضين إلى خارطة طريق في حدّها الأدنى، أي إلى الإعتراف بأنّ اللبنانييّن منقسمون بهذا الشكل الحاد، وأنّ حدّة هذا الإنقسام تسمح بالنقد لا بالتخوين، وتداوى بالنقد الذاتي لا بالإكتفاء إلى دعوة المعسكر الآخر إلى النقد الذاتي، وبالإعتراف بالعذابات والآلام التي تعتمل في داخل كل من هذين المجتمعين السياسيين، لا بالتطاول على الشهداء وعلى التضحيات؟

إنّ المنازع الأيديولوجيّة الشموليّة لا تسمح للمجتمع السياسيّ "المقاوماتيّ المسلّح" برؤية حقيقة وجود مجتمع سياسيّ آخر نالت قوى 14 آذار على أساسه الأكثريّة مرّتين.

وقد تتحايل معادلة "الأيديولوجيا السلاح" على نفسها أحياناً، بالدرجة الأولى، أو تزيّن لنفسها وللآخرين بأنّها في صدد "التكيّف" مع الخصوصيّات اللبنانيّة.
كثيرون منذ التسعينيات وقعوا مثلاً في وهم أنّ "حزب الله" يتلبنن، وكثيرون ما زالوا يأملون في رؤيته "يتلبنن". وهو قام بالفعل بتبني العلم اللبنانيّ في التسعينيات، وتحدّث أمينه العام عن الـ 10452 كلم2 عشية إنتخابات 2005، وجرى إكتشاف الخصوصية المسيحية بعد التفاهم مع العماد ميشال عون، ثم جرى اعتناق "الديموقراطية التوافقية" لكن فقط عندما تكون "الديموقراطية العددية" غير متوفّرة، وعلى قاعدة عدم لزوم التوافق للبت في أمر السلاح، حيث تعلّمت "المقاومة الإسلامية" بعضاً من تخريجات اليسار المغامر، وصارت تتباهى بأنّ "المقاومة لا تحتاج إلى إجماع وطنيّ"، وأنّها في كل بلد تحرّر فيه الأرض لا بدّ لها أن تحكم.

مثل هذا "التكيّف" مع الواقع اللبنانيّ من لدن "حزب الله" و8 آذار يزيد المشكلة ويعمّق الإنقسام بدلاً من أن يفعل العكس، تماماً مثلما أنّ مسلسلاً تلفزيونياً دينياً إيرانياً أريد من خلاله التقرّب إلى وجدان المسيحيين فكانت النتيجة معاكسة تماماً.

فهذا "التكيّف" المصطنع مع الواقع اللبنانيّ، والذي يجري رميه جانباً كلّما دعت الحاجة، إنّما يبرز عمق المشكلة الأهليّة التي يعبّر عنها "حزب الله" مع الكيانية الميثاقية اللبنانيّة، وهذه قبل مشكلته مع الفكرة الدستوريّة الحديثة نفسها، ومع فكرة السيادة الوطنيّة.

فـ"حزب الله"، ومن ثمّ كامل المجتمع السياسيّ الذي يقوده، لا يتعرّف إلى نفسه لا في تاريخ لبنان الإمارة، ولا في تاريخ لبنان المتصرّفية، ولا في تاريخ لبنان الكبير ثم الإستقلال الأوّل. هو يتعامل مع كل ما سبقه على أنّه تاريخ غير أصيل، وتجارب وافدة، وأفكار مستوردة، في حين أنّه إسم لأضخم ظاهرة إستيرادية للأيديولوجيا، من علاقته المباشرة بالأيديولوجيا الإيرانية الرسمية، وهي علاقة لا تجد لها مثيلاً في أيّ من تاريخ الجماعات السياسية والمسلّحة التي مالت أو والت السياسات الإيرانية منذ إنتصار ثورة الخميني وإلى اليوم.

والمدهش هنا، أنّه وبدلاً من أن يكون حضور العنصر الثقافيّ الإيرانيّ إلى لبنان منذ الثمانينيات وإلى اليوم مدخلاً إلى توسيع التعددية اللبنانية، وإلى تجذير الطبيعة الكوزموبوليتية للبنان، فقد حدث العكس، إلى الدرجة التي صار فيها نصف اللبنانيين لا يعترفون بوجود النصف الآخر منهم، وهو بالإستناد إلى إنتخابات 2005 و2009 النصف الأكبر.

النصف الأصغر لا يعترف بوجود النصف الأكبر. ومع ذلك فإنّ النصف الأصغر تجري تعبئته على قاعدة أنّ ثمّة مؤامرة وجوديّة يدبّرها النصف الآخر له. ثمّة منذ 2006 من يريد أن يحتجز نصف اللبنانيين تحت هذين العنوانين: ربطهم بالسلاح والإيحاء بأنّ السلاح يعفيهم من الإعتراف بشركائهم في الوطن. وربطهم بنظرية المؤامرة والإيحاء بأنّ كل تفريط في معادلة السلاح من شأنه أن يرتد سلباً على وجود بيئة أهلية بعينها، وليس فقط على مشروع هذه البيئة لإحلال هيمنتها الشاملة في لبنان. في الحالتين، ثمّة من يخفي على جمهوره، بقوّة السلاح والدعاية والأيديولوجيا، حقيقة وجود أكثريّة في المجتمع اللبنانيّ.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل