هكذا إذن، تبيّن بالملموس المكموش أن هناك صنفين من المتهمين بالتجسس أو العمالة لإسرائيل. صنف أول تيرسو مطلوب له أن يُعلّق الآن الآن وليس غداً على حبل المشنقة، وصنف ثان ماسي وذهبي تُطلق من أجله حملة شعواء عمياء صمّاء على من أوقفه ويُنسى الباقي!
ولأن المقام جلل ولا يتحمل الاستخدام الخطأ، لا في المحاججة السياسية ولا في النقاش الناشب في شأن كل شيء لبناني، ولأن الموضوع في أساسه يحمل كل بواعث الأسى ولا يشرّف أحداً ولا بلداً، فقد آثر أخصام كثر وكثر جداً للتيار الذي ينتمي إليه أحد المتهمين بالعمالة أن لا يدقّوا على ذلك الوتر كثيراً، وأن يخرجوه من مغريات التشفّي، وأن ينزووا جميعاً تحت مقولة عامة شاملة وصحيحة مفادها، أن العمالة لا طائفة لها ولا دين ولا مذهب ولا سياسة، بل هي فعل ناقص قائم بذاته، مسبباته تمر كثيراً على أفعال الدناءة الشخصية وعلى علم النفس في الإجمال قبل العلم السياسي أو الأمني!
غير أن للكثيرين أن يتذكروا اليوم، أن الحال لم يكن كذلك مع الجنرال "أبو طُمّيشة" الذي يرى القشّة في عين الآخر ولا يرى أحمال الحطب المرفوعة فوق رأسه..
كاد أن يزلغط عندما ضربت تلك المصيبة أحدهم في البقاع الغربي، وزلغط ولعلع علناً وسراً عندما قيل أن أحد المتهمين العاملين في قطاع الاتصالات يُعتبر مقرباً من أخصامه المسيحيين قبل أن يتبيّن العكس تماماً، وأكثر من ذلك ذهب حليفه الأقرب الى حد الكلام عن "بيئة حاضنة" تنمّي وتشجّع قصداً أو عفواً ذلك المنحى المخجل.
.. لكن بمناسبة ومن دون مناسبة ظلّ فرع المعلومات قاعداً على قلب "أبو مصلح". في البدء كان الاستهداف مرادفاً لتقدم في تحقيقات تطال جرائم وتفجيرات ومربوطاً بالخيط السياسي القائم بين الفرع ورئاسة الحكومة، وجزءاً من سياق معركة شاملة توّجت في 7 أيار العتيد. تغيّرت الدنيا بعد ذلك التاريخ وأثبت الفرع أصوله وفصوله الوطنية الصافية والتامة، ودحر كل الاتهامات والإسقاطات والأدوار التي أُلبست له، وتمكن في فترة زمنية قياسية من تحقيق خروقات في الجسم التجسسي لم يستطع كل جهابذة الأمن والممانعة في المرحلة السابقة ولا حلفاء الجنرال الحديثين أن يُحققوا جزءاً منها!
.. إلا أن ذلك لم يرق للجنرال الطموح والجموح، ولم تعجبه تلك الاستدارة من الشارع الى المؤسسة ومن منطق الدويلة الى الدولة، فبقي على دأبه يتعرض لمن ينجح لأنه يسحب من يديه مادة للمزايدة الإصلاحية… ويتحدث عن تنظيمات أصولية موهومة وعن سلاح أسبارطي ينتشر في أعالي شمال لبنان ويعتبره خطراً كبيراً، ولا يرى أي "شيء آخر" لاغ ومهمّش للشرعية وسلاحها وجيشها وقوى أمنها وقضائها ووجودها من أساسه في طول لبنان وعرضه!
يعود اليوم الى تلك النغمة الممجوجة والفاجرة، وتعود لسانياته لتغطي قبائح مواقفه ولا يرعوي، حتى ليكاد يقول إن اعتراف المتهم الموقوف بالعمالة إنما هو جزء مُفبرك من منظومة الفساد.. وأن سيف الإصلاح آت لقطع دابر تلك المنظومة.
بحر من الكلام، يمكن الغرف منه للدلالة على مدى مصداقية "قاهر الحشاشين" لكن البقاء على الشاطئ أفضل وأسلم طالما أن حيتان الشتم حاضرة ناضرة في المقابل.
إخس "أبو مصلح"، أدب سيس..!