في المبدأ الديمقراطي، يتمتَع الفرد، كل فرد، وبمعزل عن انتماءاته العقائدية بكل أنواعها، بفسحة رحبة من الحرية وفي طليعتها حرية الرأي والتعبير عنه. كما لا يحق لأي كان ممارسة فعل الترهيب والتخويف والتهديد على الآخرين بهدف منعهم عن الأدلاء بآرائهم، أيَا تكن هذه الآراء، موالية أم معارضة. لكنَ المبدأ الديمقراطي نفسه يقيَد هذه الحرية بالأصول، أي بعامل الأحترام وعدم المساس بالكرامات الشخصية ومزايا الأنسان. من هنا يمكن تقسيم الذين يدلون بآرائهم، طرحا أو ردَا، الى قسمين: من يلتزم أصول المبدأ الديمقراطي ويمارس نوعا من الرقابة الذاتية المسبقة على مضمون ما يصرَح به علنا، فيأتي كلامه متزنا يعبَر عن وجهة نظره من دون التطرَق الى ما لا تسمح به أعراف أحترام الأنسان. ومن يطعن هذه الأعراف، ويتجاوز بصفاقة مكروهة حواجز الأصول، فيأتي كلامه ينضح باللاأخلاقية وكأنَه لم يذق يوما طعم التهذيب.
استنادا الى هذه المعادلة الموضوعية، وقد وردت في شرعة حقوق الأنسان وفي دساتير الدول – باستثناء تلك التي تحكمها الأنظمة التوتاليتارية – ينبغي التعاطي مع ما يطالعنا به المفوَهون عندنا. أنَنا نلتزم فعل احترام الرأي الآخر، ونعترف بهذا الآخر مهما تباينت مواقفنا مع مواقفه، ونتقبَل النقد البنَاء الهادف الى تصويب وجهة نظر، ونتلقَف الملاحظات الرامية الى وضع الأمور في نصابها. لكنَنا نرفض اعتماد لغة الشتم واستخدام المفردات النابية أيَا يكن السبب والجهة المقصودة. بالأضافة الى أنَ من يتبنَى هذا الأسلوب في التعبير، يتحوَل حتما عن محجَة المنطق، ويفتقد للحكمة والرزانة وأبسط امكانيات الأقناع.
على هذا الأساس نستمع الى مطالعات بعضهم ممن امتهنوا لغة السباب، وحفظوا غيبا قاموس الشتائم وأطلقوا زحمة من الأتهامات المدججة بالدناءة والأسفاف، وفي رأس القائمة التي تضمَ هؤلاء وئام الوهَاب، فتركوا انطباعا سيَئا على مستويين: أنَهم يتعاطون في الشأن العام بعيدا عن السمو في المزاج والتعبير، جهلة يرون طريقهم المعوجَ مستقيما في عيونهم، مدمنين على الأنحطاط الخلقي الذي من شأنه أن يحوَل المارد قزما، ولا يمارسون رقابة الوعي على ألسنتهم المتحمَسة المتحاملة التي يفيض عنها الدجل والأفتئات، معبَرين بأفضل صورة عمَا تختزنه نفوسهم من حقد أعمى وكيدية رعناء وكسل تأدَب. أمَا المستوى الآخر فهو غياب المساءلة استنادا الى منطوق القوانين السائدة والأعراف الأخلاقية التي تواضع عليها الناس. انَ غياب السلطة يفسح في المجال لأمثال هؤلاء لأن يعيثوا فسادا بكلامهم المبتلَ بقيح الرجس والنجاسة. فلو أنَ الدولة موجودة، ويا ليتها كانت كذلك، لوفَرنا على أسماعنا قرقعة نسل الأفاعي والخارجين من بطون الأبالسة. ألا قدَر الله لنا أن ننعم في الأواتي من الأيام بحكم لائق يكم َ أفواه الأردياء الطائشين الذين لا يرجى الخير منهم، عملا بالحكمة القديمة: من الأشرار لا يخرج الاَ الشر.