سليمان اختار خط الوسط وليس خط التماس واعتمد نهج الاعتدال
لماذا لا يطلب عون استقالة وزرائه أو يطرح الثقة ؟
بينما كان سياسي مخضرم يتابع حملة العماد عون على الرئيس سليمان وعدد من الوزراء، نُقل عنه قوله إن من حسن حظ لبنان أن ليس على رأس الدولة، خصوصاً في المرحلة الدقيقة الراهنة، رجل انفعالي ومتهور، بل رئيس عاقل وحكيم ومعتدل عندما تتطلب المواقف الاعتدال، ومتشدد عندما تتطلب مصلحة لبنان العليا ذلك. فلو أن سواه كان رئيساً للجمهورية لا يمتلك هذه الصفات، لكان لبنان غرق في حرب أهلية جديدة ولكان انتقم من خصومه السياسيين وقضى على النظام الديموقراطي والحريات العامة. وإذا كان ثمة من يعتقد ولأسباب شتى أن حرباً تندلع من حين إلى آخر بين الجنرالين، فالرئيس سليمان ليس في حرب مع أحد، فهو باتزانه وتعقّله واعتداله وتوازنه يجعل الاعداء أصدقاء، في حين ان الجنرال عون يجعل الاصدقاء اعداء…
الحقيقة انه لو كان الجنرال ميشال سليمان رئيساً للجمهورية يوم كان الجنرال عون رئيساً للحكومة، لما كانت وقعت "حرب التحرير" لأنه يعلم كعسكري أن لا تكافؤ مطلقاً فيها ولذلك كانت حرباً خاسرة، ولما كانت وقعت "حرب الالغاء" لأنها حرب خاسرة ليس للطرفين المتحاربين فحسب بل للبنان أياً تكن نتائجها، ولما كانت وقعت حرب استرداد المرافئ قبل ان تسترد الدولة عافيتها وقوتها وتصبح أقوى من الميليشيات، ولما كانت الضربة العسكرية السورية لأن العماد عون رفض تسليم قصر بعبدا للرئيس الهراوي وقبله للرئيس الشهيد رينه معوض. ولو أن الجنرال عون كان اليوم رئيساً للجمهورية لكانت الحرب وقعت مع "حزب الله" تحت شعار لا سلاح إلا سلاح الدولة الذي كان يردّده وهو في باريس، ولما كان سكت على بقاء الرئيس اميل لحود في سدة الرئاسة لأنه يعتبر أن رئاسته الممددة غير شرعية. وقد سبق له أن أعلن في حديث صحافي وهو في باريس إنه لن يكمل ولايته الممددة، ولكان انتقم من كل خصومه السياسيين وزج بمن يقاومه في السجن، ولكان حلّ مجلس النواب ولم ينتظر حتى موعد نهاية ولايته لكي ياتي بمجلس له فيه أكثرية واضحة يستطيع حكم البلاد على طريقته.
أما الرئيس سليمان فهو ليس من طينة الرجال الذين يبكون إلا إذا زال لبنان كياناً ودولة وهوية ونظاماً، أو يبكي على من أُعطي ملكاً ولم يعرف كيف يحافظ عليه كالرجال، ويبكي أيضاً على أصحاب النفوس المريضة.
ولنائب في قوى 14 آذار تفسير لحملة العماد عون على عدد من الوزراء آخذاً في طريقه الرئيس سليمان، هو أن العماد عون، وبعض من معه، كان يراهن على ان عهد سليمان لن يستمر أكثر من سنتين وهو الشرط الذي كان يضعه للقبول بأي مرشح سواه للرئاسة الأولى، ومن منزله في الرابية دعا الوزير السابق وئام وهاب الرئيس سليمان الى الاستقالة. وبعدما انتخب العماد سليمان رئيساً للجمهورية راهن العماد عون على فشله في ادارة شؤون البلاد خصوصاً في ظروف صعبة لا يقوى، بحسب رأيه، على تحمّل المسؤوليات فيها ولا التصدي لها، وراهن على عدم التمكن من اجراء انتخابات بلدية في موعدها وإذ بها تجرى في موعدها، وراهن على ان تفجر التعيينات الحكومة. وإذ بها تمر دفعة بعد دفعة بكل سلاسة وتطبيقاً للمادة 65 من الدستور أي بالتصويت عند الخلاف وعدم التوافق، وراهن على ان يبقى هو الصديق الحصري لسوريا بعدما كان أول من شق الطريق اليها عقب انسحاب قواتها من لبنان، وإذ به يرى ان الرئيس سليمان أقام علاقات من دولة الى دولة، وان الرئيس الحريري فاجأ الكثيرين بحديثه الصحافي الأخير الذي طوى فيه نهائياً وعملياً صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مع سوريا قد يكتب فيها ما يثير دهشة تفوق دهشة ما جاء في الحديث عينه، وراهن على ان جولات الرئيس سليمان العربية والدولية لن تجدي نفعاً، وهي لـ"شم الهوا"، فكانت نتيجتها أن أعاد لبنان الى خريطة العالم ووفر شبكة أمان لحمايته. وعندما ذهب الى قصر بيت الدين لم يذهب للاصطياف فحسب بل لإعادة الحركة والنشاط والعمل الى هذا القصر التاريخي، فعقد فيه جلسة لمجلس الوزراء لأن عقدها هناك له رمزيته ودلالته، وعقد فيه أيضاً جلسة لهيئة الحوار الوطني، وأجرى فيه المصالحة بين أهالي بريح بحضور وليد جنبلاط، وقام بجولة معه على بعض قرى الشوف وكان لهما استقبال شعبي حميم. كل هذا جعل العماد عون يشعر بخيبة ما راهن عليه ووجد نفسه وحيداً في مواجهة الرئيس سليمان وكأنه عزل نفسه بنفسه.
وتساءل النائب ذاته لماذا لا يطلب العماد عون من وزرائه الاستقالة إذا كان رئيس الجمهورية يبكي والوزراء الذين هاجمهم يخالفون القانون وبعضهم فاسد، وإذا صحّ أنه سيقاطع اجتماعات هيئة الحوار الوطني، وهو السؤال الصحافي الذي لم يرد عليه تاركاً لنفسه حرية اعطاء الجواب في حينه، فان من يستقيل أو ينسحب من هذه الهيئة التي قراراتها غير ملزمة، إنما القرارات الملزمة هي لمجلس الوزراء، فلا معنى عندئذ لانسحابه من الهيئة مع بقاء وزرائه في الحكومة قبل ان يطلب من الوزراء الآخرين الاستقالة لأن نهجهم وأداءهم لا يعجبانه… ولماذا لا يتشبّه العماد عون بالعميد الراحل ريمون اده الذي كان يستقيل من كل حكومة يرى أن ممارستها او أن قراراتها لا تنسجم مع رأيه ومبادئه. ثم لماذا يوجه اسئلة واستجوابات الى الحكومة بدل أن يتخذ من الاعلام وسيلة للانتقاد وتوجيه الاتهامات أو يطلب طرح الثقة بالحكومة او بالوزراء المعنيين، اذا كانت الثقة بالحكومة غير منطقية وله فيها ممثلون، هذه هي الديموقراطية الصحيحة إذا كان يريد سلوك دربها.
لقد اختار الرئيس سليمان خط الوسط ولم يختر خط التماس، وأكد في أحاديث وتصريحات له انه لا يسير بين النقاط بل يزيل النقاط من طريقه ليتفادى الاخطاء، وان أسلوبه في العمل هو بلا ضجيج وتواصله مستمر مع الجميع ومن كل الاتجاهات، ويخطئ من يظن انه رئيس فولكلوري وانه ضعيف ومتردد وانه يدير التوازنات او الأزمات. فالمصلحة الوطنية وحدها هي هاجسه وعندها لن يكون إلاّ حازماً وحاسماً، وهو يكرر القول للجميع ان طبّقوا الدستور وعندها لا نواجه أي خلل… وإذا كان الرئيس سليمان متسامحاً فإنه غير متهوّر وللوقت عنده حساب أوّله حساباته.