لا يختلف اثنان على ان الانقلاب السياسي قد حصل في لبنان، من غير اعلان «البلاغ رقم واحد»، بدليل عدم قدرة اي طرف على ان يحكم بمطلق الصلاحية (…) وبالتالي عدم قدرة اي طرف على ان يعارض بمطلق الصلاحية، حتى وان كان المقصود تحمل المسؤولية في الحكم وفي المعارضة بما في ذلك مقاطعة الحكم والانسحاب من السلطة؟!
والذين يدعون زوراً ان بوسعهم نسف الحكومة من الداخل، بدوا في مناسبة الكلام على تغييرها انهم من دون حول ولا قدرة الامر الذي فضح هزالهم كما اظهرهم وكأنهم اعجز من ان يغيروا حرفاً في السلطة وفي توجهاتها، لا سيما بالنسبة الى رؤساء الكتل النيابية ممن يزعمون زوراً حيازتهم معلومات تقول ان عمر الحكومة قصير، فيما يؤكد الواقع ان «تابو» احداث تغيير ما في الحكومة ليس في متناول اي طرف سياسي، من غير حاجة الى احراج احد عبر سؤاله عما يؤخره عن اطلاق رصاصة الرحمة على «حكومة التفاهم» قبل ان يتضح موقف «المايسترو» الخارجي منها؟!
وثمة من يجزم في هذا السياق بأن «كثرة الكلام واللغط والمساجلات عملة مسحوبة من التداول»، حتى وان ادعى البعض قسماً بأنه حر التصرف، وهو في هذا المشهد السخيف يبدو على حق انه من «جماعة المتلقين» المشهود لهم بالتزام الاوامر المهمة» المقصود بها انتظار التعليمات بمستوى انتظار النشرة الجوية؟!
وما هو اسوأ من كل ما تقدم، ان بعض من دأبوا على السب والشتم والعواء الفارغ، يعرفون تمام المعرفة الحدود المرسومة لهم، مع العلم ان الاجترار في مواقفهم وتصرفاتهم يوظف لمصلحة خصومهم في مختلف الحالات، فضلاً عن ان معظم هؤلاء يفتقرون الى من يصحح اخطاءهم، بل الى من يقول للأعور بينهم انت اعور بعينك حفاظاً على مصالح ومكاسب سياسية وشخصية في آن (…)
امام هكذا انقلاب سياسي، يجمع المراقبون على انتظار الاسوأ في حال تضمنت اوامر المهمة ما يفهم منه ان لدى البعض استعدادات جدية للتصعيد وما اليه من خلط اوراق كنتيجة حتمية للمقتضيات الاقليمية والدولية. وهيهات ان يستوعب بعض الداخل ان البدائل السياسية في البلد واردة على مدار الساعة (…) وان ما حصل في منطقة برج ابي حيدر وان شكل حرجاً بالنسبة الى بعض من شارك في الحادث او حاول استخدامه لمكاسب سياسية، فإن نتائجه على الارض اختلفت بإختلاف تصوير التطورات وكأنها بداية زلزال امني مطلوب لتجنب افلاس بعض اصحاب الرؤوس الحامية؟!
ومن الآن الى حين استيعاب ظروف المرحلة وصعوباتها، لا يخطئ من يقول «اننا امام مرحلة انقلاب امني تصحيحي»، لمجرد ان من انساقوا وراء الانقلاب السياسي لم يستوعبوا الى الآن الحجم الكبير لخطأ التخلي الطوعي عن النظام البرلماني الديموقراطي واستعاضوا عنه بنظام تسويات لا طعم له ولا لون ولا رائحة باستثناء طعم اللاسلطة وانعدام لونها ورائحتها.
وهذه الصورة المشوشة، بل المشوهة اثرت الى حد كبير في حاضر لبنان ومستقبله، اضافة ايضاً الى التأثير البالغ لنشوء سلطة امر واقع تفعل السبعة وذمتها من دون انتظار لومة لائم!
وما يثير التساؤل الحذر في هذه المرحلة هو اجماع المطلعين والمراقبين على ان اصول قوى منظومة 14 آذار اصبحت «مش ولا بد». بقدر ما هي مرشحة لأن تفقد مفعولها وتفاهمها في الحد السياسي الادنى جراء ما يفهم منه ان بعض التطورات الاساسية لم يعد بالامكان فصلها عن المؤثرات المتفاقمة بين قوى 14 آذار؟!
وبالاشارة الى هذه النقطة بالذات رصدت اجتماعات بعيدة من الاضواء (…) كما رصدت مواقف معلنة يفهم منها وجود استحالة امام السير قدماً بخط سياسي اثبت فشله (…) كما فشلت معه محاولات اعادة الربط بين قيادات 14 آذار من دون حاجة الى انتظار بيان توضيحي او ترطيبي من اي جانب يعتقد نفسه او يتصور ان في البلد من يصدق «بيانات الخطأ المقصود»؟!