#adsense

الإتهام السياسي ليس “إتهاماً” وإسقاطه ليس “براءة”

حجم الخط

 لا يختلف عاقلان حول أهمية كلام الرئيس سعد الحريري الى صحيفة <الشرق الأوسط> وما يمثله، في الشكل على الاقل، من علامة فارقة في أدبيات قوى إنتفاضة الإستقلال حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وجريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وصلة سوريا بهذين الأمرين•

أقول في الشكل على الاقل، لأن الكلام صادر بهذا الوضوح عن سعد رفيق الحريري، بما يمثله من تقاطعات ادوار وهويات سياسية، من كونه رئيساً لتيار المستقبل، وزعيماً للطائفة السنية، ورئيساً لحكومة الوحدة الوطنية والاهم••• إبناً لرفيق الحريري• ثم لأن هذا الكلام صادر على صدر الصفحة الأولى لصحيفة <الشرق الاوسط> التي يحصى فيها أكبر عدد من <صقور> الاعلام السعودي• بالاضافة الى أن <المقابلة> كمقابلة لا توحي بأنها حصلت الا لتمرير المواقف التي أثارت كل هذه الضجة السياسية في اليومين الماضيين• فهي <كمقابلة> ستندرج ربما في سلالة المقابلات الاقصر والأكثر إختزالاً التي يمكن لرئيس حكومة ان يعطيها لصحيفة دولية• وأخيراً لأن هذه من نوع <المقابلات> التي تقع، في الشكل على الاقل (مرة اخرى)، في خانة <المادة التاريخية>، أي المادة التي يؤرخ بها في سياق تأريخ علاقات الافرقاء المعنية من خلال عناوينها القليلة، والافرقاء في حالتنا هذه، هم المملكة العربية السعودية وسوريا•

أما في المضمون، فيمكن التجرؤ على <الحكمة السائدة> التي رأت في <مقابلة> الحريري نقطة تحول في مسار المحكمة الدولية وبأنها تعني، بين أشياء كثيرة نسبت اليها، إعلان براءة سوريا، كمؤسسة سياسية وأمنية، من الجريمة• هنا لا بد من التوقف قليلاً عند خلل منهجي ومنطقي في هذا الإستنتاج الذي لا تخفى رغبة أصحابه في تحميل <المقابلة> ما لا تحمله وأخذ صاحبها الى حيث لم يذهب• <فالمحتفلون>، وبينهم قلة حريصة وكثرة شامتة، لطالما طعنوا وقدحوا <الإتهام> بإعتباره إتهاماً سياسياً وإذا بهم يسارعون الى الإحتفاء بالبراءة المفترضة، رغم أنها لا يمكن أن تكون، راهناً، الا براءة سياسة، كوننا لم نصل بعد الى قرار إتهامي يسقط فرضية المسؤولية السورية ويعلي فرضية أخرى مكانها• وإذا كان ينبغي لمن رفض الإتهام السياسي ان يرفض التبرئة السياسية المفترضة، نرى فريق < القلة الحريصة والكثرة الشامتة> يشحذ هممه لإستدراج الحريري الى <تبرئة سياسية> إضافية، لحزب الله هذه المرة، بإعتبارها مجرد تتمة منطقية للتبرئة المفترضة لسوريا•

هذا الخلل في المنهج هو سليل خلل في القراءة اصلاً•

مقابلة الحريري ليست تبرئة لسوريا والا لكانت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية السابق فؤاد السنيورة الى دمشق هي اولى خطوات هذه التبرئة•

ثم ليعذرني الصديق المحترم ثائر عباس، فالمقابلة لا ترقى الى كونها سبقاً صحفياً لا شك عندي في قدرته عليه• فالحريري لم يقل في الواقع ما لم يُقل طوال السنوات الخمس الماضية من أن إتهام سوريا بالمسؤولية عن إغتيال الحريري إتهام سياسي• بل لطالما بررت شخصيات وسياسيو واعلاميو ومعلقو قوى الرابع عشر من آذار إتهام دمشق بأنه إتهام سياسي بشأن جريمة سياسية، في كل مرة كانوا يسألون عن حيثيات إتهامهم.

أما حديث الرئيس الحريري عن <أخطاء حصلت من قبلنا مع سورية> وإعترافه (أننا) < في مكان ما ارتكبنا أخطاء>، وهي العبارات التي إستخدمت <كأدلة وقرائن> على تبرئته المفترضة لسوريا، فهو حديث يفاحىء فيه تأخر صدوره وليس صدوره من حيث المبدأ•

فواقع التجربة بين لبنان وسوريا منذ 14 شباط 2005 يقول إن هذه الأخطاء إرتكبت بالفعل إن على مستوى <إدارة الصراع> مع سوريا او على مستوى <إدارة علاقتنا بالتحقيق الدولي>• فالادارة الاولى أنتجت حالة لبنانية شوفينية، بيننا الكثير ممن هو مهيأ لها بالفطرة، من دون اي تبرئة لسوريا عن توليد هذه الحالة التي إستخدمت دمشقياً للتعبئة الشعبية حول النظام••• ونجحت•

أما الادارة الثانية فقد أنتجت ما يسمى اليوم ملف شهود الزور والذي هو، كما الحالة الشوفينية، ليس مسؤولية لبنانية حصرية، غير أن هذه نقطة تترك للتحقيق للبت في تفاصيلها•

لكن من قرأ عبارات <الخطأ> في كلام الرئيس الحريري فاته أن السياق الذي تحدث فيه الرجل هو عن أخطاء < مست بالشعب السوري وبالعلاقة بين البلدين>، وهذا ليس مجرد تفصيلاً، بل توصيف بالغ الدقة• فطبيعة النظام السياسي في سوريا وطبيعة العلاقة التي ربطتنا كلبنانيين بسوريا طوال العقود الثلاثة الماضية تشجع على الالتباس بين سوريا كسوريا وبين مؤسسساتها السياسية والأمنية والاستخباراتية أو بين أفراد هددوا وروعوا وتطاولوا واساؤا للبنان بسياسييه ومؤسساته وشخصياته• وأزعم ان تحديد هذا السياق لا بد منه لفهم الحدود المنطقية لكلام الرئيس الحريري، الذي لا يستقيم الا بقراءة نصفه الآخر حين يقول بالحرف الواحد < هناك تحقيق ومحكمة، وهذا أمر لا علاقة له بما أفكر أنا أو غيري فيه• فالمحكمة لا تنظر إلا في الدليل>•

إذاً ليس صك براءة ما صدر عن الحريري بل تخلص، ولو متأخر، من أحمال لا ينبغي أن تحملها المحكمة الدولية، وتصويب لسياقات أفرزها تحالف الصدمة العاطفية وجسامة الارتباك السياسي الناتج عن الإغتيال يوم 14 شباط 2005•

أعرف سعد رفيق الحريري قليلاً• وأعرف أنه يعرف أن ما يحمله ليس اسماً ثلاثياً وحسب بل صفة تمثيلية لا تحتمل الخفة التي يفترضها فريق <القلة الحريصة والكثرة الشامتة>، في كلامه الى <الشرق الاوسط>• فهذا الكلام الذي كان ينبغي تلقفه من أجل المزيد من الالتفاف حول المحكمة وشرعة القانون أحالته الخفة باباً لطلب تصحيح الاخطاء عبر ارتكاب المزيد منها•

نعم، الرئيس سعد الحريري مسؤول عن التهدئة ومواكبة المتغيرات السياسية المحلية والاقليمية وعن تثبيت مناخ سياسي ملائم لعمل المحكمة الدولية لكن سعد رفيق الحريري مسؤوليته أكبر••• مسؤوليته حماية الحقيقة والعدالة بوصفها المعادلة الوحيدة لحماية لبنان•• سعد رفيق الحريري، في هذه المسألة، لا تغريه المساومات••

المصدر:
اللواء

خبر عاجل