دور المقاومة يطغى على دور الدولة
لبنان يفشل في تطبيق التجربة السورية
"حذر مسؤولون غربيون وعرب قيادات سياسية لبنانية من أن الأوضاع الأمنية هشة لأن الأفرقاء اللبنانيين فشلوا في التفاهم على صيغة موحدة للتوفيق بين دور الدولة ودور المقاومة بطريقة تحمي المواطنين من التهديدات الداخلية ولأن لبنان ليس قادراً على تطبيق التجربة السورية في التعامل مع المقاومة. وقد تم الاتفاق بين دول غربية وعربية بارزة معنية بمصير لبنان على ثلاثة أمور أساسية مرتبطة بالتطورات الأمنية الأخيرة والاحتمالات المستقبلية هي الآتية:
أولاً – مشروع "بيروت منزوعة السلاح" شأن داخلي وتحقيقه صعب لأن عقبات داخلية واقليمية جدية ستعترضه، لكن هذه الدول تدعم تنفيذه تدريجاً لأنها معنية بمصير لبنان وترى انه مشروع ضروري وحيوي اذ إن سلطة الدولة يجب أن تتغلب على تسلط السلاح غير المشروع وتمنع استخدامه في الصراع السياسي الداخلي في مختلف المناطق لأن هذا السلاح ليس جزءاً من التوافق اللبناني – اللبناني على ادارة شؤون البلد. ثانياً – هذا المشروع يتمتع بشرعية لبنانية وعربية ودولية، اذ انه ينسجم مع مضمون اتفاقي الطائف والدوحة ومع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومع مضمون البيان الوزاري للحكومة الحالية التي يرئسها سعد الحريري. وترحب هذه الدول ببدء تنفيذ هذا المشروع اذ إن القوى العسكرية والأمنية النظامية أخذت تتحمل مسؤولية أكبر وأوضح في وضع ضوابط وقيود على استخدام السلاح غير الشرعي في بيروت وحماية المواطنين وممتلكاتهم مما يجعل المسلحين في حال مواجهة معها اذا ما أرادوا استخدام سلاحهم في الشوارع. ثالثاً – ترى هذه الدول ان طرح هذا المشروع الطموح يفتح باب المقاومة السياسية والشعبية لحملة السلاح خارج صيغة التوافق الوطني ويساعد على تعبئة الرأي العام اللبناني لمواجهة أي فريق يريد استخدام السلاح والعنف لفرض مطالبه وشروطه على أفرقاء آخرين".
هذا ما أدلت به مصادر ديبلوماسية أوروبية في باريس مطلعة على المشاورات الدولية – العربية – اللبنانية الجارية حالياً. وأوضحت أن "حزب الله" يجب أن يدعم جهود الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري ويشارك جدياً في تأمين تنفيذ خطة حماية اللبنانيين من أخطار الفلتان الأمني وانتشار السلاح لأن الحزب قدم التزامات رسمية وصريحة الى المجموعة العربية والى اللبنانيين تقضي بعدم استخدام السلاح والعنف في الداخل وباحترام دور الدولة والقوى العسكرية والأمنية في حفظ الأمن والنظام العام من خلال موافقته على اتفاق الدوحة الموقع في أيار 2008 ومشاركته في صياغة البيان الوزاري للحكومة الحالية.
وقالت انه يبدو واضحاً، وفقاً لما نص عليه اتفاق الدوحة والبيان الوزاري لحكومة الحريري، ان سلاح "حزب الله" يكتسب شرعية لبنانية اذا ما استخدم في اطار الصراع مع اسرائيل وبالتنسيق والتعاون مع الجيش اللبناني، وان هذا السلاح يفقد شرعيته اذا ما استخدام في الصراع السياسي الداخلي. فاتفاق الدوحة المدعوم لبنانياً وعربياً ودولياً ينص على "حظر اللجوء الى استخدام السلاح أو العنف أو الاحتكام اليه في ما قد يطرأ من خلافات أياً كانت هذه الخلافات وتحت أي ظرف كان بما يضمن عدم الخروج على عقد الشراكة الوطنية" كما ينص على "حصر السلطة الأمنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين بيد الدولة بما يشكل ضماناً للحفاظ على صيغة العيش المشترك والسلم الأهلي". وينص اتفاق الدوحة أيضاً "على تطبيق القانون واحترام سيادة الدولة في كل المناطق اللبنانية". ولم يطبق هذا الاتفاق بشكل كامل وصحيح حتى الآن مما يتطلب تدخلاً عربياً عند الضرورة.
حدود دور المقاومة
في الوقت عينه لفتت المصادر الأوروبية المطلعة الى أن انتشار السلاح غير الشرعي في بيروت ومناطق لبنانية عدة خارج سلطة الدولة ينتهك صراحة نص البيان الوزاري للحكومة الحالية الذي يشكل تعاقداً سياسياً بين الغالبية والأقلية لادارة شؤون البلد معاً، كما يشكل ركيزة أساسية للوفاق الوطني، وذلك للأسباب الآتية:
أولاً – لم يمنح البيان الوزاري المقاومة التي يمثلها "حزب الله" صلاحية الاضطلاع بمهماتها واستخدام السلاح كما تريد ومتى تشاء بمعزل عن سلطة الدولة وبما يتناقض ومصالح الشعب اللبناني، بل ان البيان نص في بنده السادس على الآتي: "تؤكد الحكومة حق لبنان، بشعبه وجيشه ومقاومته، في تحرير أو استرجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا اللبنانية والجزء اللبناني من قرية الغجر والدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء والتمسك بحقه في مياهه وذلك بالوسائل المشروعة والمتاحة كلها". وهكذا يمتنع البيان الوزاري عن منح المقاومة وحدها حق حماية لبنان من الأخطار الاسرائيلية بل انه يؤكد بوضوح ان هذه هي مهمة الشعب والجيش والمقاومة معاً مما يتطلب تنسيقاً وتعاوناً بين الجيش والمقاومة وعدم اتخاذ الأخيرة وحدها أي قرارات تتعلق بطريقة التعامل مع اسرائيل ومن دون التنسيق مع الجيش ومع ممثلي الشعب اللبناني. كما أن هذا النص يحصر مهمة المقاومة بالدفاع مع الجيش والشعب عن لبنان في مواجهة اسرائيل ولم يمنح المقاومة حق استخدام السلاح في الداخل أو في الصراع السياسي وبين الأفرقاء اللبنانيين.
ثانياً – يؤكد البيان الوزاري بوضوح تام حق الدولة وحدها في اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بلبنان وعلى رأسها طبعاً قرارات الحرب والسلم في التعامل مع اسرائيل، اذ نص في بنده الثالث على الآتي: "تشدد الحكومة على وحدة الدولة وسلطتها ومرجعيتها الحصرية في كل القضايا المتصلة بالسياسة العامة للبلاد وبما يضمن الحفاظ على لبنان وحمايته وصون سيادته الوطنية. ويكون هذا المبدأ ناظماً لتوجهاتها وقراراتها والتزاماتها".
ثالثاً – يرفض البيان الوزاري منح شرعية لاستخدام السلاح في الصراع السياسي الداخلي من أجل تعزيز مواقع فريق من اللبنانيين على حساب أفرقاء آخرين اذ ينص في بنده الرابع على الآتي: "تؤكد الحكومة تصميمها على منع كل أشكال العبث بالسلم الأهلي والأمن من دون مساومة ويقتضي ذلك حصر السلطة الأمنية والعسكرية… بيد الدولة بما يشكل ضماناً للحفاظ على صيغة العيش المشترك والسلم الاهلي".
وأكدت المصادر الأوروبية ان الدول العربية والغربية المعنية بمصير لبنان متفقة في الرأي على أن احترام "حزب الله" التزاماته اللبنانية والعربية يتطلب منه التعاون جدياً مع رئيسي الجمهورية والحكومة من أجل وضع حد نهائي للفلتان الأمني ولانتشار السلاح غير الشرعي في بيروت وفي مناطق لبنانية عدة، خصوصاً انه يملك كميات هائلة من الأسلحة بذريعة حماية المقاومة والدفاع عن لبنان وحمايته من الأخطار الاسرائيلية.
النجاح السوري والفشل اللبناني
ولاحظت أن الأوضاع الأمنية الصعبة والمعقدة التي يواجهها لبنان ناتجة من مشكلة حقيقية وجوهرية هي "ان القيادات السياسية اللبنانية فشلت حتى الآن في التوصل الى صيغة تعايش سلمي بين دور الدولة ودور المقاومة تحفظ الأمن والاستقرار الداخليين ومصالح اللبنانيين الحيوية وتحصن الجبهة الداخلية في المواجهة مع اسرائيل. وكان مفترضاً أن يتم التفاهم على صيغة التعايش هذه بين دور الدولة ودور المقاومة ضمن الاتفاق على استراتيجية دفاعية مشتركة للبنان في مؤتمر الحوار الوطني الذي يشرف عليه الرئيس ميشال سليمان، لكن ذلك لم يتحقق حتى الآن وليس واضحاً متى سيتم الاتفاق على هذه الاستراتيجية اذ إن "حزب الله" يرفض أن يكون سلاحه جزءاً منها". وأضافت ان نتيجة ذلك كله يبدو واضحاً لمن يراقب عن كثب مسار الأوضاع في لبنان أن دور المقاومة المسلحة يتفوق على دور الدولة اللبنانية في مجالات حيوية عدة، كما يبدو واضحاً أن الخضوع لاستراتيجية المقاومة ولمتطلباتها، كما حددها "حزب الله" وحلفاؤه، يطغى على الحاجة الماسة الى تأمين متطلبات الدولة القوية بمؤسساتها الشرعية والقادرة وحدها، بجيشها وقواها الأمنية، على صون السلم الأهلي والوحدة الوطنية وحماية اللبنانيين من أي فوضى أمنية ومن تسلط ميليشيات وعناصر مسلحة على مناطق عدة. ذلك ان السلاح ينتشر في عدد من المدن، والمناطق اللبنانية خارج سلطة الدولة على أساس انه مرتبط بالمقاومة و"بحقها المشروع" في الدفاع عن الوطن وحمايته، ثم يستخدم هذا السلاح لأغراض حزبية أو سياسية داخلية أو اقليمية، مما يضعف الدولة ويشل قدرتها على منع استخدامه ضد اللبنانيين في الكثير من الأحيان. وهذا الفلتان الأمني الذي يستخدمه بعض الأفرقاء للضغط على خصومهم السياسيين يزرع الاضطرابات وعدم الاستقرار ويفجر الاشتباكات المحدودة أو الواسعة ويجعل اللبنانيين في حال من القلق المستمر".
وشددت المصادر الأوروبية على "أن الحكم السوري نجح حيث فشل الحكم اللبناني حتى الآن. ففي سوريا أساساً المقاومة المسلحة ليس لها وجود والدولة هي التي تتخذ وحدها قرارات الحرب والسلم في التعامل مع اسرائيل أو مع أي جهة أخرى. والنظام السوري، منذ عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد الى اليوم، نجح في ايجاد الصيغة الملائمة الجيدة التي تسمح بتأمين متطلبات مواجهة اسرائيل وأخطارها المحتملة ونتائج احتلالها الجولان من غير أن يطغى ذلك على دور الدولة أو يضعف قدرات الدولة أو يحد من مسؤولياتها تجاه مواطنيها. فالصيغة السورية تسمح بأن يعيش المواطنون السوريون حياة طبيعية في ظل احتلال اسرائيلي للجولان، وتسمح ببناء الدولة القوية وتحسين وتطوير الأوضاع الداخلية في هذا البلد وتأمين حماية المواطنين واستقرارهم وتمنع الفلتان الأمني وتفشي السلاح غير الشرعي، بينما يجري توفير القدرات الضرورية اللازمة للتعامل مع اسرائيل وأخطارها وللحفاظ على المصالح السورية الحيوية المشروعة". وذكرت "ان الحكم السوري نجح في ايجاد الصيغة الملائمة التي تحفظ دور الدولة وتؤمن متطلبات المواطنين وحاجاتهم وكذلك متطلبات مواجهة اسرائيل وانهاء الاحتلال، لأن نظام الرئيس الأسد يرفض أن يؤدي الاحتلال الاسرائيلي لجزء مهم من الأراضي السورية الى شل دور الدولة أو اضعافه، ولأنه يركز جهوده منذ العام 1974 على محاولة استعادة الجولان المحتل بالوسائل السلمية والديبلوماسية ويمنع استخدام جبهته منطلقاً لعمليات أو نشاطات عسكرية أو فدائية ضد اسرائيل. لكن ما يحدث في لبنان هو عكس ذلك تماماً، اذ إن بقاء قطعة أرض صغيرة من الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال الاسرائيلي يدفع فريقاً من اللبنانيين يقوده "حزب الله" الى رفض اعتماد الصيغة السورية وتركيز الجهود تالياً على استعادة هذه الأرض المحتلة بالوسائل الديبلوماسية حفاظاً على لبنان ومن أجل حمايته من مواجهات مدمرة مع اسرائيل، ذلك أن هذا الفريق يميل الى اعطاء المقاومة المسلحة دوراً كبيراً بل مهيمناً يطغى في الكثير من الأحيان على دور الدولة ومؤسساتها الشرعية، مما يؤدي الى خلل كبير في العلاقات بين الأفرقاء اللبنانيين ويمنع السلطة الشرعية من الاضطلاع بدورها وتحمل مسؤولياتها تجاه مواطنيها وفقاً لما نص عليه اتفاقا الطائف والدوحة وما تضمنه البيان الوزاري لحكومة الحريري".
وكما قال لنا ديبلوماسي أوروبي بارز: "ان حكومة الوحدة الوطنية الحالية يجب أن تكون قادرة أكثر من حكومة الاتجاه الواحد على تأمين التفاهم بين كل الأفرقاء على صيغة ملائمة تحفظ في وقت واحد دور الدولة ودور المقاومة وتمنع الفلتان الأمني وانتشار السلاح. ومثل هذه الصيغة تتطلب أن تمارس الدولة دورها كدولة حقيقية تتمتع بصلاحياتها الكاملة بحيث تمثل وحدها السلطة الشرعية المسؤولة عن أمن اللبنانيين ومصيرهم. وفي المقابل تتصرف المقاومة على أساس أنها مقاومة تقتصر مهمتها على التعاون مع الجيش من أجل حماية البلد من الأخطار الاسرائيلية وبحيث تكون كل القرارات المتعلقة بطريقة التعامل مع اسرائيل في يد السلطة الشرعية وحدها أي الدولة وليس في يد المقاومة، وفقاً لنص البيان الوزاري. ويترافق ذلك كله مع امتناع أي فريق عن محاولة فرض شروطه ومطالبه بقوة السلاح على أفرقاء آخرين، سواء باسم حماية المقاومة أم لأي سبب آخر".