#adsense

الحلقة الرابعة: من ربطة الخبز على البربارة الى حفر اوتوستراد حالات !!

حجم الخط

انا من بلدة اسمها عندقت في شمال لبنان، في أقاصي عكّار، وبلدتي خرّجت الألوف من الضباط والجنود في مؤسسة الجيش اللبناني، وكنّا في زمن الحرب نمرّ عبر اوتوستراد كسروان ـ جبيل للوصول الى قريتنا، وكانت "القوات اللبنانية" أقامت لها حاجزاً في منطقة البربارة، وهذا الحاجز عمره تقريباً من عمر الأزمة اللبنانية وأكثر تحديداً منذ خروج الرئيس الأسبق سليمان فرنجية من الشرقية واصطفافه علناً الى جانب حلفاء سوريا.

وقصة هذا الحاجز تشبه قصص كثيرة لحواجز أمنية أقامتها قوى الأمر الواقع وفي كافة المناطق اللبنانية، ولكن يعود الفضل بشهرة هذا الحاجز الى الجنرال ميشال عون الذي استعمله كأداة مثل أدوات كثيرة استعملها للتشويه ولتأليب الرأي العام اللبناني بشكل عام والمسيحي بشكل خاص على القوات اللبنانية.

وللتاريخ أقول: نعم كنّا ننتظر في احيان كثيرة لساعات طويلة كي نعبر هذا الحاجز، نعم كنّا نتأفّف من الانتظار، وكنّا نلعن الساعة التي كنّا نمرّ بها، كما كنّا نعتبر ان ما تقوم به "القوات اللبنانية" على هذا الحاجز مهين جداً، وهذه اللحظة تحديداً، لحظة الانتظار كانت النقمة بدأت تعمّ اللبنانيين، ومنهم المسيحيون، وهذا الشعور يعلمه جيدا الجنرال عون، ليعود ويستعمله لاحقاً في الحملة الدعائية التي سينجح فيها بتأليب الرأي العام المسيحي على "القوات اللبنانية".

ولــــــكــن فــــي الـــمــقــابـــل !!
أسئلة عدة يجب طرحها، وأهمها على الاطلاق لماذا كان حاجز البربارة؟
مَن اتخذ القرار بإقامة مثل هذا الحاجز؟
ماذا جرى قبل وبعيد إقامة هذا الحاجز؟
قبل الاجابة على هذه الاسئلة، ومن دون الدخول في سياق تصفيات سياسية، ومن دون الانحراف عن هدفية هذه السلسلة، ولكون معظم اللبنانيين وتحديداً المسيحيون ينسون او يتناسون عمداً بعض الأحداث التي طبعت تلك المرحلة، بحيث يصوبون سهام الانتقادات باتجاه فريق واحد محملينه كافة تبعات تلك المرحلة، لدرجة يسمحون لأنفسهم بتجهيل الحقائق والوقائع الميدانية، وذلك بهدف استهداف فريق واحد من دون سواه، فالبربارة مثلاً لم ينشأ هكذا من العدم، ولكن لم نسمع أحد يسأل لماذا كان هذا الحاجز؟ وما سبقه من ارتكابات بحق فريق مسيحي معيّن.
حتّى أن مجزرة إهدن لم تكن لتحصل لولا سلسلة طويلة من التصفيات والارتكابات وعمليات الخطف والقتل والاغتيالات، وعلى رأسها اغتيال جود البايع رميا بالرصاص داخل المصرف الذي كان يعمل فيه، وإيّاكم ان تظنوا بكلامي تبريراً لما حصل، أبدًا على الاطلاق، كلّ فريق يتحمّل تبعات تصرفاته وتجاوزاته، فلا المردة محقين بما ارتكبوه بحق مناصري حزب "الكتائب"، ولا حزب "الكتائب" محق بما قام به من ردات فعل، بالنهاية، كانت لعبة دم وسخة لا نزال حتى اليوم ندفع ثمن ارتداداتها على مجتمعنا.

وهنا أقول بدل أن يطلّ ميشال عون على اللبنانيين، على المسيحيين تحديدًا للملمة الانقسامات ولبلسمة الجراح ولوقف نزيف الحقد المتمادي وللعب دور الأب الصالح ، ليكون فعلاّ زعيم بكلّ ما للكلمة من معنى، ليكون عرّاب المصالحات المسيحية ـ المسيحية، ولكن للأسف كان الاسفين والساعد والمساعد لإذكاء أتون الحقد وزيادة منسوبه بين هؤلاء المسيحيين، كان طرفا سلبيا في تفتيت المسيحيين وشرذمتهم، كان السبب المباشر بإبعاد فريق من المسيحيين عن مؤسسات الدولة، وهنا يستحضرني السؤال الآتي: ألَـم يسأل أحدكم لماذا أبناؤنا ينكفؤون عن الانخراط في الجيش؟
لماذا لا يقبل الشاب المسيحي الدخول الى المؤسسة العسكرية؟ وقد برز هذا الأمر بعد استلام الجنرال عون للسلطة وخوضه كلّ تلك الحروب الالغائية؟

اذًا بالعودة الى البربارة وذياع صيته، أذكر هنا على سبيل المثال ما تروّجه إحدى السيدات بشكل مستمر ودائم عن أنها كانت تشاهد طوني زهرا يقف على الحاجز المذكور ويصادر ربطات الخبز من العابرين، وبالسؤال عن حقيقة الأمر، تبيّن ان طوني زهرا لم يكن في يوم من الأيام من عداد العناصر التي وقفت على هذا الحاجز، ولكن أسطول الفبركات أقحم هذا الاسم لتنتشر القصة بين صفوف اللبنانيين. ولكن في المقابل، انا لم أقل ان "القوات اللبنانية" لم تكن تصادر بعض كميات الخبز عبر هذا الحاجز !! بل على العكس كان الخبز ممنوع تمريره عبر حاجز البربارة ، وهذا واضح وواقع لا يمكن إخفاؤه ولا حتى القواتيين ينكرونه على الاطلاق.

ولكن، ما قصة ربطة الخبز هذه ؟
بايجاز نقول ان قرار منع إخراج مواد غذائية ومن ضمنها الخبز من "المنطقة الشرقية" قرار اتخذه وزير الاقتصاد والتجارة فيكتور قصير في عهد الرئيس أمين الجميّل وفي حكومة الرئيس رشيد كرامي وسليم الحص، وقد أبلغ أمر إنفاذه الى كافة المعابر التي كانت قائمة وقتذاك، ولو كان موقع حاجز الجيش اللبناني قبل حاجز "القوات" لكان الجيش سيقوم بهذه المهمة، واللافت في هذا الأمر أن حكومة الرئيس العماد ميشال عون استمرت في تطبيق هذا القرار، وقد حرص وزير الاقتصاد والتجارة في الحكومة العسكرية اللواء عصام ابو جمرة على الاستمرار في تطبيق هذا القرار وتعميمه، ولم يبادر أبدا على استصدار قرار مخالف او إلغاء للقرار المذكور.

أمّا عن مستلزمات وحيثيات هذا القرار، فانّ الوضع السياسي العام، كما الوضع الاقتصادي في الشرقية دفع بحماية هذا الاقتصاد وتدعيمه وعدم السماح بإفلات الأمور من خلال تخريج المواد الغذائية الى مناطق الاحتلال السوري المباشر ليعود رئيس الحكومة الانتقالية العماد ميشال عون ويستعمل قصة ربطة الخبز في المعركة الاعلامية ـ الدعائية التي خاضها بوجه "القوات" بشكل أثار المسألة من باب تأليب الرأي العام المسيحي متجاهلاً عن قصد ومتعمّدا إبراز المسألة وكأنّ "القوات" تصادر خبز الناس من دون ان يقول الحقيقة كاملة، وخطأ "القوات اللبنانية" أنها لم تجيد كيفية كشف الحقيقة ولم تواجه عون بعدّة الشغل التي استعملها أي بأسلوبه، وكان حرّي بـ"القوات" أن تقف له بالمرصاد، ولكنها للأسف يوم قررت كشف الحقائق ومواجهته كان السيف قد سبق العزل، وكان عون قطع شوطا كبيرا في لعبته الاستنهاضية وما عاد بالامكان ترميم ما تهدّم بالنسبة لصورة "القوات اللبنانية" التي عمل الجنرال بالتنسيق المتقن مع أفرقاء وجهات اقليمية على رأسها سوريا لإحداث الشرخ الكبير وزرع الحقد الأعمى في صفوف أبناء الوطن الواحد والمجتمع الواحد.

وهنا قد يسأل ويتساءل بعضكم لماذا ايلي محفوض يطلّ اليوم ليعلن هذه الوقائع، ولماذا هذا الموقف المدافع عن القوات؟ جوابي واضح، لا أدافع بقدر ما أضع الأمور في نصابها، ولا أعطي صكوك براءة بقدر ما أرى من واجبي تبيان الحقائق بعدما آلت اليّ ولو متأخرة بعض الشيء، ولا أبرئ أحد انما من باب التخفيف ولو بالقدر اليسير من منسوب الحقد الأعمى الذي انتشر وتحوّل الى وباء تفشّى في صفوف بعض المسيحيين الذين قرروا الانتحار عن طريق نحر الذات، ولكون مجتمعنا أو جزء منه تتملكه غريزة عبادة الزعيم بشكل مطلق لدرجة فقدان مناعة التمييز بين الموقف الواضح والصحيح وبين جرّ الناس كما الغنم والقطعان بحيث تسير من دون أي قدرة على تبديل او تغيير الطريق.
وبعضهم يعيب على من يتصالح مع أهل بيته، ولكنه لا يخجل من الحج الى سوريا وتقبيل ضباطها وكلّ الطبقة التي أنزلت بلبنان الويلات والخراب والتدمير…

بربكم أي مسيحية هذه، أهلها يتوارثون الحقد من جيل الى جيل؟
بربكم أي مسيحية هذه، أهلها فقدوا لغة الحوار والنقاش وزرعوا لغة التباعد والتفرقة؟
وما هي هذه القضية التي من أجلها يختلفون مع أهل بيتهم وأقاربهم وجيرانهم وزملائهم؟
ومن أجل مَن وماذا؟
الرقص على القبور أصبح من ضمن ثقافة يعممونها في صفوف من امتهنوا لعبة التفرقة، ولكن ببساطة نسأل لماذا كلّ هذا الثمن الباهظ يسددونه من رصيد المسيحيين؟ أوَ لا يعلمون أنهم بسلوكياتهم هذه يعملون على هدم الهيكل على رؤوسهم قبل رؤوس الآخرين؟
وبسؤال بسيط أيضا ماذا يجنون من كلّ هذا الحقد؟ حتى على المستوى الشخصي ماذا يحققون؟
ألم يفقهوا بعد أن زعيمهم يعمل لتأمين الوريث السياسي من بعده ليكون فقط ابن البيت، وهم تحوّلوا الى مجموعة لا كفاءات فيها بحسب ما جاء على لسان زعيمهم؟
ولكون لعبة الاستنهاض لم تنته، والواضح انها لن تقف عند حدّ، بخاصة أنّ نبش الملفات الماضية، والاضاءة على فترة تجاوزها الزمن، وتخطتها التطورات لن تقف عند حدود كرسي رئاسة الجمهورية، وكأنّ بالطامح اليها يريد باللبنانيين، يريد أكثر بالمسيحيين أن يدفعوا ثمن عدم وصوله الى الكرسي.

بالأمس أطلّ بمسرحية جثث اوتوستراد حالات، وكان يرغب بوجود مثل هذه الجثث، ليس لسبب الاّ للاستمرار بلعبة تأليب الرأي العام، وقبلها كانت الصورة المرّكبة وغيرها الكثير الكثير من الأخبار والتلفيقات التي بمجملها تصبّ في خانة واحدة وتخدم مصلحة شخصية بحتة، ولا همّ إن أضرّت بمجتمع وساهمت بتدميره، وباعدت بين صفوف أهله ..
من قصة ربطة الخبز في البربارة الى قصة الجثث تحت الاوتوستراد في حالات، تزوير فاضح للتاريخ، ومزيد من الدفع باتجاه التفرقة وتعميم ثقافة الحقد. والقصة لم تنته ولن تنتهي قبل استبدال مفاهيم أقلّ ما يمكن القول عنها انها باعدت بين اللبنانيين ودفعت بقسم منهم لترك أرض الوطن والبحث عن هوية ووطن بديلين، وهذه جريمة لن تُغتَفر، واجيالنا القادمة ستدفع الثمن حتّى آخر رمَق من الوجود المسيحي الحرّ. ولعلّ إجراء جردة رقمية حسابية للأعداد التي هاجرت لبنان باتجاه بلاد الله الواسعة جراء هذا التعنّت والانتحار، وتحديدًا على المستوى المسيحي كان وراء أبرز أسبابها تلك الحروب الالغائية التي يجب وضع حدّ لها قبل خسارة كلّ شيء.

وبقيت بكركي أقوى من حفيفهم وانتهت الأفعى بلدغ ذاتها !!

 

لقراءة باقي الحلقات:


                            


 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل