#adsense

أحزاب تشرب من كؤوسها الفارغة

حجم الخط

ما من حدود للأمراض البنيوية والجلدية التي تصيب الأحزاب، هناك دائماً مفاجآت تخيّب الآمال التي يعلّقها البعض على حزب دون الآخر. التنقل السريع بين الحزبيين، مراقبتهم وسماعهم يتحدثون، يظهر حجم التأثير السلبي للسنوات القليلة الماضية على الأحزاب عموماً.

مع إنهاء صباح فخري «خمرة الحب»، كانت معظم الأقدام في المطعم الصغير عند شاطئ مدينة شكا قد استعانت بالكراسي أو الطاولات أو مياه البحر لتعلو قليلاً عن الأرض. أخذ شيخ الطرب بصوته المسكِر الحاضرين إلى الشام، لكن قبيل إتخامهم بكحوله عبر «قدك الميّاس يا عمري»، علا هتاف من إحدى الزوايا «أبو حليم بعد الله بنعبدوا». وسرعان ما أرجع البحر الصدى «أبو حليم… أبو حليم». وفي اللحظة نفسها، علت الأذرع، راحت كؤوس العرق تناطح بعضها بعضاً وبانت الزوابع فوق الزنود ترقص بين الموج والشمس. تلقّف صاحب المطعم الرسالة، ناولهم «وينو اللي ناوي يقاتل»، فبدأ هؤلاء على طريقة القوات والوطني الحر والكتائب التلويح بزوابع يرسمونها بأصابعهم، مردّدين بصوت واحد: «أبو حليم ما تعتل هم، عندك زلم بتشرب دم». يتأكدون أن لا أحد ينوي القتال، فيهدأون قليلاً ويبدأون ترداد أغانيهم الخاصة من «بحبك يا حردان… يا زعيمي بحبك»، مروراً بزجلية «راجعين يا حردان» التي يُشرب في حضرتها العرق بالإبريق لا بالأكواب، وصولاً إلى «تحت أرزك يا حردان حابب والله عيش وموت». يتبين إذاً أن أبو حليم هو خليفة أنطون سعادة في رئاسة الحزب السوري القومي الاجتماعي، النائب أسعد حردان. ويتبيّن أن رئيس القومي، الذي باتت زوابعه تُرسم بأصابع تلوح في السهرات، شَعبي. ويتبين أن في الحزب من هم مستعدون لعبادة أبو حليم، تماماً كما هم مستعدون لشرب الدم من أجله. هؤلاء يدافعون بحماسة عن ثقافة حردان وذكائه السياسي، لكنهم في الأساس «مع أبو حليم لأنه رجّال».

«عشّاق حردان»، كما يطلقون على أنفسهم بين بعضهم بعضاً، خرجوا إلى العلن في السنوات القليلة الماضية حين أشعرهم الاستهداف المباشر بحاجتهم الماسّة إلى الرئيس الأقوى أمنياً لا فكرياً، وحين تيقّنوا أن «الاحترام يُنتزع بالسلاح لا بالنقاش». في هذه المرحلة، لعب حردان بذكاء ففتح أبواب الحزب للراغبين في الدخول، يتوجهون مباشرةً إلى مكتبه إما يخرجون ملتزمين بأوامر القيادة الحزبية مهما كانت تحفظاتهم داخل المكتب المقفل جيداً، أو يغادرون إلى منازلهم. أسقط اللون الرمادي في بنية الحزب، وتحول النقاش القومي ـــــ القومي اليوم من نقاش في الأفكار الكبيرة والتحالفات الإقليمية والخيارات الاستراتيجية إلى نقاش جوهره الوحيد: «مع أبو حليم أو ضده».

«فسديّات»
من شكا إلى الجميزة، تفشي بعض الأمراض داخل التيار الوطني الحر يعدّد الآثار فوق البشرة. يحاول أربعة شبّان النقاش على موسيقى هادئة في أسباب تراجع النقاش على مختلف المستويات داخل التيار، إذ يسلم معظم الناشطين اليوم بأنهم غير مضطرين إلى أن يفكروا بسبب وجود من يفكر بدلاً منهم. لا يتعلق الأمر هنا بالقضايا الكبيرة، فانتظار التعليمات بدأ سياسياً، صار تنظيمياً ووصل اليوم إلى كل مفاصل الحياة العونية، بما في ذلك تنظيم السهرات أو المخيمات أو الورش التدريبية: إذا لم يقترح العماد ميشال عون ويبادر، فلا أحد يهتم. ولا أحد يعلق أو يستغرب كيف تجمع قيادة التيار على أن زمن الانتخابات الداخلية ولّى إلى غير رجعة منظورة، وكيف تسود وجهة نظر واحدة على مختلف المستويات، وكيف يمر أكثر من سنتين دون تنظيم ندوة فكرية أو مخيم حزبي أو أقله مباراة رياضية (تفيد المقارنة هنا بين صيف العونيين وصيف المردة على مستوى المخيمات والندوات والنشاطات المتنوعة)؟

يقارن الشباب بين اليوم والأمس، يغوصون في الذكريات حين كانوا يصنعون الحدث، لا يُستخدمون في صناعته. تتراكم كؤوس الويسكي الفارغة أمامهم. وسرعان ما يعود الصوت الخافت ليضع حداً لهذه الحالة، مشيراً إلى أن لكل مرحلة ضروراتها، ومن لا يعجبه ما يحصل اليوم يعانِ قصر في النظر. هو الذي يعتقد أن العوني الحقيقي من يكون مع الجنرال ظالماً كان أم مظلوماً، يسأل عن سبب «تفلسف بعض العونيين وتذاكيهم طالما أنصار الأحزاب الأخرى يقولون عن الأبيض أسود إذا قال زعماؤهم ذلك. وفي رأيه أن من أنشأ التيار كان هدفه إضافة تنظيم جديد، مسيحي، إلى الموجود لا أكثر ولا أقل. ووفق المنطق نفسه، يبرر آخر تراجع همّة العونيين وحماستهم لأن «من معنا معنا ومن ضدنا ضدنا». وفي سياق تقليد الآخرين، يتفشّى اليوم وسط العونيين منطق التخوين فكل من ينتقد قليلاً أو يطالب ببعض الإصلاح والتغيير هو إما عميل للقوات، أو مرتشٍ اشتراه تيار المستقبل. هذا مرض، ثمة أمراض أخرى. يروي أحد الشباب كيف أن القطاعات التربوية المتعددة باتت تفصيلاً في ظل حزب التيار الوطني الحر ذي الكتلة النيابية، وكيف صار الطلاب الذين كانوا نبض التيار وأساسه، مجرد هامشيّين تريدهم قيادة الحزب أن يكونوا عتالة عند المختار أو أحد وجهاء البلدة. فالتيار الذي اتّعظ من تجربة الانتخابات البلدية الأخيرة ويريد من الآن اختيار الأشخاص المناسبين لإرباحه في الاستحقاقات المقبلة يعجز عن إيجاد مكانة ودور متقدمين للطلاب في بنيته. يذكر هنا أن حسّ العونيين انقطع بالكامل إثر استدعاء العماد ميشال عون، قبل استدعاء الأجهزة الأمنية عدة ناشطين عونيين للتحقيق معهم بشأن إهانتهم رئيس الجمهورية على الفايسبوك، بعض الناشطين في تياره ليحقق معهم بشأن ما كتبوه على الفايسبوك بناءً على «فسديات» رفعها إليه بعض السذّج الذين يبقيهم العماد عون قربه رغم مواقفهم العنصرية تجاه اليسار عموماً والمتعاطفين مع القضية الفلسطينية خصوصاً، وتجاه العمال والفقراء وكل من يقرأ الصحف العربية لا الفرنسية.

أشباح
في الصيفي، في ذلك المبنى المسكون بصور آباء يعاني الأبناء عقدة العجز من مجاراتهم، ثمّة شباب أوصلتهم الكوارث غير الطبيعية التي لحقت بحزبهم في السنوات القليلة الماضية إلى حدّ التعويل على النائب سامي الجميّل، أو النائب نديم الجميّل للعودة إلى الضوء. يدافع هؤلاء عن بعد نظر نديم وسامي ويودون من سامعهم موافقتهم أن لا علاقة لأبوة النائبين بالمناصب التي يشغلانها. في حزب الكتائب اقتناع بأنهم حزب مؤسساتي، وبأنه ما من إقطاعية في الحزب الذي يحتفل على مدار السنة بذكرى عيد ميلاد مؤسسه بيار الجميّل وذكرى وفاته، عيد ميلاد رئيسه بشير الجميّل وذكرى مقتله، عيد ميلاد وزيره بيار الجميّل وذكرى استشهاده. ولولا غيرة نديم، لكانت كتلة الكتائب النيابية قد طالبت المجلس النيابي عبر مشروع قانون باعتبار يوم ميلاد سامي الجميّل عيداً رسمياً، باعتباره النائب الأصغر في المجلس النيابي (تصغره النائبة نايلة تويني).

جعجع إلى الأبد
بالعودة إلى الشمال، يغني داني، الذي يقلد «المغني كارلوس»، لرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع فيستفز القوميين الحاضرين في المطعم البتروني، ولا يستعيدون هدوءهم إلا بعد تكرار «المطرب داني» الأغنية نفسها مستبدلاً الحكيم بأبو حليم. مهمة داني صعبة، رِجل عند القوات ورِجل عند القومي، المسافة الفاصلة بين أنصار الحزبين تحث صاحب المطعم على الطلب من المغني إنهاء وصلته والمغادرة قبل أن ينفسخ. مهمة القواتيين صعبة: يصرون على الظهور في الوقت نفسه بمظهر أكثر المسيحيين تقيّة وأكثرهم زعرنة. وهم يلتزمون حرفياً التعاليم الدينية لكن الويل والثبور لمن يضربهم على خدهم الأيمن. بعد مغادرة طاولة القوميين، يرتاح القواتيون ويعبّرون عن بعض الأفكار. يرى أحد الشباب أن أفضل ما تضمّنته مسوّدة النظام الداخلي لحزب القوات المنتظر عدم تحديدها كم ولاية يمكن رئيس الحزب أن يشغل، وهكذا يمكن القواتيين الاستمرار في التجديد لقديسهم حتى وفاته. وقبل أن يشرح وجهة نظره القائمة على حتمية بقاء جعجع رئيساً لأنه صاحب رؤيا، تتفلّت إحدى الصبايا من ضمّة حبيبها لتستفز المجموعة المحيطة بها، بتأكيدها أن إنشاء حزب القوات اللبنانية تأخر كثيراً عن سابق تصور وتصميم يهدف إلى إبعاد أو ترويض الأوزان القواتية الثقيلة التي اكتشفت أنها ستفقد نفوذها القواتي بحكم قبض رئيس الهيئة التنفيذية على كل المفاتيح في يده دون محاسبة أو مراقبة أو شراكة جدية في القرار منذ أربع سنوات. ينبري معظم الحاضرين إلى نقض الفكرة، لكن في خضم السجال، يعترف الغيورون على القوات بالكثير: كشف النقاش في مسوّدة النظام الداخلي أن ثمة قيادة منظمة تعرف ماذا تريد وقاعدة مشتّتة كل مجموعة فيها تسعى وراء مصلحتها. لم يفهم كيف يحق للبناني ولغير اللبناني التقدم خطياً بطلب انتساب إلى الحزب يوقعه عضوان في الحزب، وخصوصاً أن لا معايير جدية لاختيار هذين العضوين. فضلاً عن أن اشتراط قبول الانتساب بتمتع القواتي بحقوقه المدنية وبسيرة حسنة، وبأن لا يكون محكوماً عليه بجناية أو جنحة شائنة، يثير علامات استفهام كثيرة بشأن حق سمير جعجع في الانتساب إلى حزبه. مع الأخذ بعين الاعتبار أن حزب القوات يركز الجزء الأكبر من جهده للعمل في المدارس والجامعات لكنه يمنع أن ينتسب إليه من لم يتمّ العشرين عاماً من عمره. وتكثر الملاحظات التي لا معنى لها، بحسب أحد الشباب. فنحن مع سمير جعجع في السراء والضراء، مع حزب أو من دونه، وسواء كان ديكتاتوراً أو ديموقراطياً. تعود الصبية إلى ذراع حبيبها موافقة.

فودكا
«عشّاق حردان» أشعرهم الاستهداف بحاجتهم إلى الرئيس الأقوى أمنياً لا فكرياً
يتفشّى وسط العونيّين منطق التخوين فكل من ينتقد هو عميل أو مرتشٍ
علامات استفهام كثيرة بشأن حق جعجع في الانتساب إلى حزبه

الشيوعيّون بدلاً من استيعاب ضيوف حفلاتهم باتوا قلقين من حضور هؤلاء بدل الجميزة، الحمرا هذه المرة. نصف المقاعد تقريباً في مسرح بابل كانت شاغرة عند انطلاق الفنان سامي حواط في إحيائه ثاني حفلتيه الرمضانيتين. الواضح الوحيد أن الجمهور العريض لسامي يحضر حين يطلب منه ذلك الحزب الشيوعي أو اتحاد الشباب الديموقراطي، ويبقى في المنزل حين لا يطلب الحزب أو الاتحاد ذلك. بالتالي، تسقط مقولة أن فناني الحزب الشيوعي يحضرون له الجمهور ويتبيّن أن الحزب يحضر الجمهور للفنانين. فسامي بلا حزب أو اتحاد هو إذاً سامي بلا جمهور. والجمهور لا يأتي أساساً لسماع أناشيد الثورة والاستمتاع بموسيقاها بل ليلبّي طلب الحزب فلا يظهر في حفلاته بمظهر الضعيف شعبياً. هكذا، صار الحزب في نهاية السنوات الأربع يحسب الحساب لنظرات الآخرين إليه ويخشى الظهور بمظهر المتواضع شعبياً في ظل التكتلات الشعبية الضخمة التي تتنقّل هنا وهناك. اللافت أيضاً على هامش حفلة حواط أن الشيوعيين بدل السعي إلى استيعاب ضيوف حفلاتهم، غير الشيوعيين باتوا ينظرون بقلق إلى حضور هؤلاء، كأن ثمة من سيسرق منهم فنانيهم. فالداخل حديثاً إلى هذا العالم لن يفهم سبب الريبة التي تملأ عيون الشيوعيين أثناء مراقبتهم له قبيل انطلاق الحفلة، ولن يفهم سر الاستهزاء الشيوعي بتفاعل غير الشيوعيين مع أغاني سامي حواط وخالد الهبر وزياد الرحباني (يرفض بعض الشيوعيين ذكر مرسيل خليفة ضمن هؤلاء باعتباره خائناً للقضية)، وكأن حواط والهبر والرحباني يتكلمون لغة لا يفهمها إلا من مرّ بالحزب الشيوعي أو أدى واجباته أمام اتحاد الشباب.

خسائر الأعوام الأربعة كانت كثيرة بالنسبة إلى معظم الأحزاب: صار حردان زعيماً شعبياً وبات القوميون يرقصون بالزوابع. شباب التيار الوطني الحر كانوا يريدون تغيير العالم عبر حزب تقدمي علماني ديموقراطي فإذا بهم يقدمون نسخة مارونية عن الحزب التقدمي الاشتراكي، مع هامش ديموقراطية أصغر. فيما شباب القوات الذين كانوا يرفضون الإكثار من الهتاف «براءة براءة سمير جعجع براءة» كي لا يصبح جعجع هو القضية، باتوا يشكرون ربهم على نظام داخلي يضمن بقاء جعجع ـــــ القضية رئيساً إلى الأبد. فيما يمسي اليساري ملتزماً حزبياً، لا يتابع حفلة إلّا بإيعاز من حزبه ولا يعجبه فنان يطل على المسرح وفي فمه فودكا.

المصدر:
الأخبار

خبر عاجل