من سمع ورأى النائب ميشال عون في تصاريحه الأخيرة، قال لا شكّ أن الجنرال مأزوم ويحاول إستعادة ذكريات المجد الغابر أيام كان يعتلي عرش منبر بعبدا ويخطب في الناس الوافدين إليه مناديا "يا شعب لبنان العظيم".
عون الذي صوّب سابقا سهامه أكثر من مرّة نحو رئيس الجمهورية الذي سرق منه حلم الجلوس على كرسي القصر يحاول القنص بالأمس القريب على الرئيس المسالم المتأني الأنيق المتوازن في كل المقاييس العماد ميشال سليمان. وسهام عون هذه المرّة بدت إستباقية بدءا من الرئيس أعلى الهرم مرورا بوزرائه ثمّ شعبة المعلومات، وهنا بيت القصيد. وقد إستهدف عون هذه الشعبة بطريقة مباشرة تنمّ عن حقد، كمن يحاول الدفاع عن نفسه أمام غريم له قبل أن ينقضّ غريمه عليه.
وفي هذا السياق، وبغضّ النظر عن قانونية أو عدم قانونية وجود شعبة المعلومات كجهاز إستخباراتي وظابطة عدلية تابعة للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي وهذا أمر يتطلب بحثا من نوع آخر، فإنّ الجنرال الغاضب دائما بدا فاقدا قدرته على الإقناع بما يقوله وبتوقيت ما يصدر عنه من مواقف. ولو أنّه يتمتّع بالوطنية الحقّة الشاملة التي يزعمها، جديرا به أن يعلّق وساما على صدر شعبة المعلومات ولو أنّه لم يكن راض عنها، بعد أن حقّق هذه الشعبة دون سواه نجاحات كبيرة في العامين الماضيين على صعيد كشف شبكات التجسس والعمالة المتعاونة مع إسرائيل. وهو اليوم بات يعتبر إسرائيل عدوّة وقد إنخرط في صفوف مقاومتها وبارك سلاح "حزب الله" للحماية منها، وكيف لا ينظر إلى هذه الشعبة نظرة إجلال وإكبار وإعتزاز في اللحظة التي إثبتت فيها أنها قادرة على أن تقاوم الدهاء الإسرائيلي في زرع الجواسيس ولوكان في قلب تياره،إلاّ إذا كان في عدائه لإسرائيل كاذبا وفي تحالفه مع "حزب الله" غير صادق وهدفه أهدافا أخرى أبرزها ما يقلق مضاجعه ويصبو إليه ولو بقي من عمره يوما واحدا على حدّ قول المثل الشائع أي قصر بعبدا.
وهنا لا بدّ لنا ونحن نتابع في قراءة سريعة مسيرة الجنرال المتأرجحة والمتقلبّة إلى حدّ التناقض التام أن نذكّر الرجل الطامح إلى حدّ الجنون بأنه لم يصل إلى القصر وهو في عزّ شعبيته وتألقه، فكيف وقد تهاوت هذه الشعبية إلا إذا كان يريد أن يصل على رافعة إنقلاب ديكتاتوري وليس عبر الطرق والوسائل الشرعية ومن خلال الإحتكام للشعب العظيم.
وأكثر، نذكّر الجنرال بأن عليه أن يدرك بأنّه كان ولا يزال مرفوضا كرئيس للجمهورية من حلفاء اليوم أي الزعيمين الشيعيين حسن نصر الله ونبيه برّي قبل خصومه. فحليفه الأساسي "حزب الله" يعرف تماما تفاصيل ولقاءات وإتصالات الجنرال عندما كان في باريس ومن عبّد له الطريق إلى الكونغرس لصياغة القرار 1559 وهو قرار نزع سلاح حزب الله. ولكن ما لم يدركه الجنرال أن تحالفه المصلحي مع "حزب الله" من جهته هو مبني على مصلحة الطرف الآخر أي الحزب الذي لولا الجنرال لوجد نفسه متقوقعا داخل طائفة واحدة وسرب واحد، وما قدمّه الجنرال للحزب من خلال ورقة التفاهم كفيل بأن يغفر له كل ذنوبه.
فيا أيها الجنرال العظيم إن الناس أملوا بك خيرا عندما رفعت في العام 1989 ثلاثة شعارات في إقنيم واحد: لا للإحتلال السوري، لا للسلاح غير الشرعي ولا للإقطاع، وإذ بك تصبح سورياً في لبنان أكثر من السوريين ومدافعا عن السلاح أكثر من أهل السلاح وإقطاعيا بإمتياز إلى جانب صهرك الوزير المدجّج بكل أنواع أسلحتك الفارغة من أي مضمون.
لقد دافعت بالأمس القريب عن سلاح "حزب الله" بالقول: "يريدون أن يجردوننا من سلاحنا ليفرضوا علينا ما يشاؤون"، فأين كانت نظريتك هذه عندما صوبت المدافع نحوالسلاح المسيحي لتجرّد المسيحيين من سلاحهم أكان الهدف فرض القرارات والخيارات عليهم وأبرزها خيار إتفاق الطائف الذي أوصلت إليه البلاد بفعل جنون حروبك، وعدت لتقف ضده وتنقلب عليه لأنك لم تكن أنت رئيس هذا الإتفاق إلى قصر بعبدا. نعم لقد حاربت السلاح بالسلاح فسقط مئات الشهداء من المسيحيين في حربك الغادرة الهمجية، فدمرّت البنية التحتية المسيحية للمقاومة وعدت إلى أحضان السوريين بعد ان خذلك الأميركيون وحلفاؤهم الإسرائيليون. أما عن الإقطاع فحدث ولا حرج عن منهج إستفرادك بحكم تيار لم يعرف الديمقراطية يوما وأهل التيار أدرى بما فيه.
أبعد سهامك المجنونة عن قصر بعبدا يا جنرال وتحديدا عن فخامة الرئيس العماد ميشال سليمان، وهو الوجه المشرق المنفتح المسالم للمسيحيين الذين يريدون بناء دولة تسعى إلى أنّ تتربّع ملكا ولو على أنقاضها… ولكنك لن تنجح بعد أن سقط القناع.
