Site icon Lebanese Forces Official Website

قضية الشهداء هي ما يهم لبنان…وليست قضية “شهود الزور”

ربما يحتاج بعض السياسيين اللبنانيين، أو معظمهم في الغالب، الى من يذكرهم علناً ببعض الوقائع التي يتقصدون تناسيها خدمة لمصالحهم الشخصية والسياسية، فضلاً عن كيدياتهم في مواجهة من يعتبرونهم خصومهم. وإذا لم يستمع هؤلاء، وهم غالباً لا ينصتون بل ويصرون على عدم الإنصات، فمن شأن ذلك أن يضع الأمور في نصابها أقله أمام الناس التي عادة ما تستهويها السجالات، خصوصاً إذا كانت متوترة وبصوت عال، وتأخذها بعيداً عن الواقع.


من بين هذه الوقائع الحقائق، في هذه الفترة الذات، اثنتان على الأقل تقتضي حال السجال السياسي الناشب في البلد اعادة التذكير بهما.
أولاً = قضية ما يسمى "شهود الزور" أمام التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه:


لا يتوانى بعض السياسيين عن محاولة اختزال الأعوام الخمسة الماضية كلها، بما فيها من استهداف أكثر من عشرين شخصية سياسية وحزبية وإعلامية وأمنية في مقدمتهم الرئيس رفيق الحريري، بقضية "شهود الزور" هذه. وإذا كان "شهود الزور" هؤلاء، كما قال المدعي العام الدولي دانيال بلمار وبعده رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، قد ضللوا التحقيق من ناحية وأساؤوا الى لبنان وسوريا معاً، فما يبقى ولا ينبغي أن يغيب عن أذهان اللبنانيين السياسيين منهم وغير السياسيين هو أن سلسلة جرائم مريعة قد هزت لبنان في الفترة بين الرابع عشر من شباط العام 2005 ومنتصف العام 2006 وذهب ضحيتها شهداء وأناس أبرياء وكاد أن يذهب البلد كله.


بهذا المعنى، تصبح مسألة "شهود الزور" تفصيلاً صغيراً، بل وصغيراً جداً، في مشهد كبير من ناحية أولى وبالغ الأهمية والخطورة بالنسبة لمستقبل البلد من ناحية ثانية. وبالمعنى اياه، تصبح محاولة البعض اختصار المشهد كله بهذا التفصيل أقرب ما تكون الى التغطية على مجريات التحقيق إذا لم تكن محاولة تضليل أخرى له.. أي عملياً "شهادة زور" من نوع جديد.


يزيد من فداحة ذلك أن أحداً من الداعين لملاحقة "شهود الزور" وتوقيفهم ومحاكمتهم، وحتى "تطيير رؤوس كبيرة" على هامش قضيتهم، وتهديد اللبنانيين كلهم بالويل والثبور في ما لو يحدث ما يريدون، لا يجدون في قضية الشهداء هؤلاء ما يستحق سطراً واحداً في بياناتهم وتصريحاتهم ومواقفهم وكامل خطابهم السياسي في هذه الفترة. عفواً، ربما يذكرون الشهيد رفيق الحريري بين فترة وأخرى، أو يلفظون كلمات مثل "الحقيقة" و"العدالة"، ولكن في سياق حملة واسعة ومنسقة لا ترى قضية للبنان الآن سوى قضية "شهود الزور".


بل وأفدح من ذلك، فلا يخطر في بال أحد منهم أنهم هم، وليس غيرهم، من عمل بكل وسيلة ممكنة وغير ممكنة، لمنع إجراء تحقيق دولي في الفترة الأولى من الاغتيالات ثم للحيلولة بعد ذلك دون إنشاء المحكمة الدولية، عندما لم يكن في الساحة يومها ما يسمى "شهود الزور" أو محاولة تضليل التحقيق.
ثانياً = قضية ما يسمى "الأمن بالتراضي" في الداخل و"العمالة ذات الوجهين" للخارج:


فقد طلع علينا البعض، بعد المعركة الحربية المقيتة في برج أبي حيدر، بمقولة تشكيل لجان شعبية (عملياً، ميليشياوية) في الأحياء للتنسيق في ما بينها والعمل على الحيلولة دون حدوث اشتباكات بين المسلحين فيها. تماماً كما طلع علينا البعض الآخر، بعد قيام شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي باعتقال العميد المتقاعد فايز كرم بتهمة العمالة لاسرائيل، بمقولة أن في البلد عملاء يمكن اعتقالهم من دون أن ينبس أحد ببنت شفة بينما هناك عملاء آخرون لا بد من معاملتهم بالحسنى بل وحتى عدم الحديث عن ذلك بأي طريقة من الطرق.


وللذكرى أيضاً، فنظرية "الأمن بالتراضي" في شوارع وأحياء بيروت (والمدن الأخرى أيضاً) لم يمر عليها الزمن بعد، فضلاً عن أنها أدت الى ما يعرفه جميع اللبنانيين من تفشي ظاهرة الميليشيات وانتشار السلاح واستخدامه حتى من قبل من لم يخطر في باله يوماً أن يملك شيئاً منه.
وللذكرى أيضاً، فمن هنا عملياً جاء تعبير "العناصر غير المنضبطة" الذي كان مسؤولو وقادة الميليشيات يلجأون اليه لتبرئة أنفسهم ومنظماتهم من كل ما شهدته هذه الأحياء من ارتكابات طيلة فترة الحرب الأهلية المديدة.


أما قضية العميد كرم، وموقف النائب ميشال عون الذي اعتبره بداية مثل يوضاس الذي خان السيد المسيح، فقضية تستدعي أكثر من علامة استفهام، حتى لا نقول علامة تعجب. ذلك أن النائب عون وكتلته النيابية وتياره السياسي ("الإصلاح والتغيير") لم تتوقف جميعها في خلال الفترة الماضية عن الإشادة بالقوى العسكرية والأمنية التي نجحت في تفكيك واعتقال شبكات العملاء والجواسيس (أكثر من مائة وخمسين عميلاً للآن). فما الذي حدث في المدة الأخيرة، وبالنسبة لاعتقال العميد كرم تحديداً ومواصلة التحقيق معه من قبل شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي؟!.


بل، وما الذي جعل عون يشن حملته الشعواء هذه على كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ووزراء الداخلية والدفاع والعدل والإعلام، ارتباطاً بهذه القضية بالذات، ولو أنه وضع حملته تحت عنوان "الإصلاح والتغيير" في مؤسسات الدولة وأسلوب عملها في معالجة شؤون المواطنين؟!.
أكثر من ذلك، فلم يعترض أحد طيلة الفترة الماضية من عمل شعبة المعلومات في ملاحقة واعتقال المتهمين بالعمالة لإسرائيل، لا على عملها في تفكيك الشبكات ولا على التحقيقات المكثفة التي أجراها ضباطها وأفرادها معهم حول تاريخ تجنيدهم من قبل العدو وشركائهم في الجريمة والدور الذي قاموا به ضد مصالح لبنان وأهله.

قيل الكثير في الأيام القليلة الماضية، حول الأسباب الكامنة وراء حملة العماد عون على كل من رئاسة الجمهورية والوزراء في الحكومة، وبشكل خاص على دستورية شعبة المعلومات ودورها في التحقيقات، لكن ما يبقى هو السؤال: لماذا الآن بالذات، ولماذا بهذا الأسلوب من التهجم السافر الذي لم تعتده التقاليد السياسية اللبنانية كما لم يعتده أبناء البلد على مر تاريخهم الحديث؟.
.. لعل الذكرى هنا تنفع الناس، إن لم تكن تنفع السياسيين أنفسهم، في إدراك لا طبيعية ولا منطقية ما نحن عليه الآن في هذه المرحلة من حياة لبنان

Exit mobile version