عندما يسقط 11 قتيلاً خلال ثلاثة ايام في حادثي سير وفي بقعة على طريق بيروت – صيدا لا يتعدى طولها الخمسة كيلومترات، فهذا يعني بالتأكيد ان هناك امراً ما "غلط" ويجب تصحيحه فوراً وبكل الوسائل المتاحة .
وعندما يبلغ عدد ضحايا حوادث السير 18 خلال اسبوع واحد نتيجة 27 حادثا في مناطق مختلفة، بالاضافة الى عشرات الجرحى، فهذا يعني ان ثمة اجراءات فورية يجب ان تتخذ لوقف المجزرة وحماية الناس من مجرمي الطرق، وهؤلاء لا يقل خطرهم من حيث عدد الضحايا، عن خطر الاشتباكات المسلحة والاعتداءات الاسرائيلية وقصف الآمنين على الطرق.
ولئن يكن من غير الجائز تحميل وزارة الداخلية وحدها وزر الحد من هذه الحوادث المأسوية، فان الانظار تتجه اكثر من اي وقت نحو الوزير زياد بارود لإعلان خطة طوارىء جدية تضع حدا لهؤلاء المجرمين سواء في الشاحنات او السيارات الصغيرة والكبيرة، ناهيك بـ"ابطال" الدراجات النارية ولاسيما غير الشرعية وغير القانونية والذين يعيثون في الطرق فسادا ويشكلون خطراً على غيرهم وعلى انفسهم طبعا. ومن عجائب هذا البلد ان هؤلاء مستثنون من المحاسبة والتزام القانون. وليس في لبنان من لم يشاهد هؤلاء يعبرون شارات السير الحمراء تحت انظار شرطة السير!
وللمهتمين اذا شاؤوا، فان "استعراضاً" اسبوعيا بعد ظهر كل نهار احد يقدمه هؤلاء على الاوتوستراد القديم بين الاوزاعي وخلدة بين العابرين والسيارات بل يوميا في مناطق أخرى ايضاً. ويبدو ان أحداً لا يراهم من اصحاب الشأن والمعنيين بالأمر!
ولطالما أجمع لبنانيون مقيمون ومغتربون وديبلوماسيون وزوار عرب واجاب على ان اسوأ ما في لبنان هو اخطار الطرق و"العدائية" في القيادة. واما "الاوادم" والمسالمون فغالباً ما يدفعون ثمن الاخطاء الناجمة عن تهوّر الآخرين. وثمة تحقيقات اجراها صحافيون عرب واجانب بعضها اشار الى "اناس على طرق لبنان في حاجة الى اعادة تأهيل"!
واما الاجراءات المطلوبة فينبغي ان تتجاوز ردة الفعل والا تختفي كالعادة بعد ايام قليلة من كل حادث مروّع… واذا كان المطلوب "شرطة سرّية" للطرق كما هو الحال في ارقى بلدان العالم فليكن. لم لا وقد بات "موقف" سيارة "الرادار" معروفا؟ وهو على كل حال ليس دائما بل "موسمي" ويتم تجاهله بعد تجاوزه بعدة امتار…
وحبذا لو ان السياسيين ولاسيما منهم رؤساء الكتل النيابية المنشغلون دوما بخطب عنترية وسجالات مملة لا تعني المواطن من قريب او بعيد، يعطون القليل من وقتهم الثمين في حلّهم وترحالهم، لحقوق الناس وحمايتهم من مجرمي الطرق، من خلال التقدم بمشاريع قوانين في هذا المجال، واعلان "رفع الغطاء" عن اي متجاوز للقانون يحتمي بهم. والتجاوز هنا يعني "الخطر العام" الذي يحاسب عليه القانون في الدول التي تحترم نفسها وانسانها، ويصنف صاحبه "مشروع قاتل".
هذه الخطوات المطلوبة والواجبة على السياسيين والنواب والقادة الملهمين، هي أهم بكثير من السياسة وسجالاتها السخيفة، والتي لن تكون كذلك لو كان محورها حقوق الانسان والدفاع عن أبسط حقوق الناس في الماء والكهرباء والأمن، وبالتأكيد حمايتهم من أخطار الطرق.
ولن يكون صعباً على رؤساء الكتل النيابية الذين "يشحنون" نوابهم اوتوماتيكياً للهجوم على هذا السياسي أو ذاك "الجهاز" أو تلك المؤسسة، أن يشمل "أمر عملياتهم" ذات مرة الإلتفات الى هموم الناس، وأوّلها وقف الموت المجاني على قارعة الطريق!
ولعلّ مثل هذه الخطوة تشكّل أفضل "عيدية" للناس في كل الاعياد والمناسبات، وقد بدت المعايدة الأكثر تعبيراً في عيد الفطر بعد مجزرة صبيحة العيد وما قبلها: كل عام وأنتم بخير من حوادث السير!