#adsense

مواصلة بناء الجسور (رشاد حسين)

حجم الخط

بصفتي مسلماً أميركياً عمل في واشنطن في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، فقد اختبرتُ الهلع والمأساة بطرقٍ عدة. ففي ذلك اليوم، وقف العالم أجمع جنباً إلى جنب ينعى الخسارة الكبرى للحياة ويدين الاعتداءات الإرهابية، باعتبارها جريمةً بحق البـشرية. وفي ذلك اليوم كذلك، تعهّدنا الاتحاد من أجل العمل على محو كل أثر للعقيدة التي لا أساس لها ولا دين، والتي لا ترمي سوى إلى الدمار. واليوم، وبعد مرور تسعة أعوام، نستمر في ما نقوم به، ونواصل العمل على استحداث إطارٍ أكبر وأكثر شمولية لإرساء علاقات شراكة بنّاءة تروّج للسلام والازدهار بين الأمم وفي أوساط الشعوب كلّها.

وفي القاهرة ومنذ ما يقارب العام، أقدم الرئيس أوباما على تطوير رؤية جديدة لتعزيز أواصر الشراكة التي تربطنا بالمجتمعات الإسلامية حول العالم. وتقرّ هذه الرؤية وتعترف بمصلحتنا المشتركة في معالجة التطرّف الحاد، كما تؤكّد أنه لا يمكننا محاربة ربع سكان العالم بناءً على معتقدات بعض المتطرّفين. وقد وضع الرئيس الخطوط العريضة لإطارٍ شامل يقرّ بأنّ الناس في أنحاء العالم كافّة ، بصرف النظر عن معتقداتهم أو جنسياتهم، يتشاطرون مصالح مشتركة.

وها نحن نمضي قدماً في تطبيق الرؤية الخاصة بالرئيس أوباما في مناطق عدة. إلى ذلك، ومع تحديد الرئيس أوباما أولوياته في المراحل الأولى من توليه الإدارة، عمدنا إلى إيقاف مهمتنا القتاليّة في العراق. ومن أجل إيجاد الحلول للنزاع القديم الذي استمر عقوداً في الشرق الأوسط، عملنا من دون كلل مع الأطراف المعنية لاستئناف المفاوضات المباشرة بين القادة الفلسطينيين والإسرائيليين. ومنذ وقتٍ ليس بطويل، عدتُ من أفغانستان حيث لا يزال المجتمع الدولي يواجه تطرفاً حاداً. وفي إطار جهودنا المبذولة من أجل وضع حدّ جذري للحرب، سنحافظ على شراكتنا مع الشعب الأفغاني لمستقبلٍ أكثر ازدهاراً.

وبصفتي مسلماً أميركياً، أدرك مدى تأصّل الإسلام في الولايات المتحدة – فالمستكشفون المسلمون وصلوا إلى القارتين الأميركيتين منذ مئات السنين، وكانوا جزءاً من التركيبة المحلية مذ ذاك.

ويمنح دستور الولايات المتحدة المواطنين حق اختيار ديانتهم، بغض النظر عمّا إذا قرروا ممارسة الإسلام أو المسيحيّة أو اليهودية أو البوذية أو الهندوسية أو عدم ممارسة أي ديانة على الإطلاق. ويمارس أكثر من سبعة ملايين مسلم أميركي ديانتهم في أكثر من 1200 جامع. ويحق للنساء لبس الحجاب بكل حرية، كما أنّ الحّريّة ذاتها تخوّلهنّ عدم لبس الحجاب. وتقدّم عيادات صحية أميركية إسلامية الخدمات لأشخاص من الديانات كافة في المدن المنتشرة في أرجاء البلاد. وقد حقّق المسلمون الأميركيون أعلى مستويات النجاح في المجالات كافّة، بما يشمل الفنون والرياضة والطب والنشاطات الحكوميّة.

وفي حين تم تحقيق نجاحات ملحوظة أخرى واعتُبِر تقدّم الإسلام والحرية الدينيّة في أميركا إيجابيّين وقوّيين، لا يزال بعض من التحدّيات قائماً. ومن بين هذه التحديات سوء فهم للإسلام وللمسلمين. وفي الفترة الأخيرة، اقترح راعي أبرشيّة تضم 50 عضواً عملاً بغيضاً ومشيناً – يقوم على حرق القرآن الكريم.

وبما أنني طالب في مجال حفظ القرآن الكريم، أفهم الكرب الذي ينتاب المسلمين حيال المسألة، خصوصاً مع انقضاء شهر رمضان الذي يعتبر شهر القرآن.

وفي حين أن أوباما قال بالكلام عن القس في فلوريدا إن «ما يقتــرح القيام به يتناقض تماماً مع قيمنا كأميركيين، مع العلم أن هذه البلاد بنيت بالاستناد إلى مبدأي الحرية الدينية والتسامح الديني… هو يقول إنه شخص يحرّكه إيمانه… وأنا آمل أن يستمع إلى… هذه الملائكة التي تعتبر أفضل حالاً وأن يفهم أن هذا العمل مدمّر». وسبق أن شاهدنا في أعقاب نقاش محتدم في سوق الأفكار، أن التقليد الأميركي العريق القائم على التسامح الديني هو الفائز.

ويُعتبر هذا سبباً آخر لمنح الشعب الأميركي ثقتي كلّها، بالاستناد إلى قوّته وسط المساعي المستمرّة لدعم الركائز التي نشأت البلاد على أساسها. إلى ذلك، وكما أنّ أعمال بعض المتشدّدين لا تمثّل الإسلام، فإنّ نشاطات جماعة ذات رأي متطرّف تعجز عن تمثيل بلادي. وفي ذكرى 11 أيلول، من الصواب التوقّف وإفساح المجال أمام الاستمرار في بلسمة جروح هذا اليوم المأسوي. وقد آن الأوان ليتّحد الناس من الاعتقادات كافّة – تماماً كما فعلوا منذ تسع سنوات.

السلام عليكم، وعيد مبارك لكم ولعائلاتكم.

*رشاد حسي ممثّل الولايات المتحدة الأميركية لدى «منظمة المؤتمر الإسلامي

المصدر:
الحياة

خبر عاجل