تابعت المؤتمر الصحافي الذي عقده اللواء المتقاعد جميل السيد قبل ظهر الأحد. للوهلة الأولى لم أصدق ما سمعته أذناي وما شاهدته عيناي. ظننت أن المتحدث هو الراحل الأب تارديف يلقي مواعظه على المؤمنين الذين تقشعرّ أبدانهم ويسري الإيمان في عروقهم كلما أضاف الأب القديس جملة.
كرّر السيّد أكثر من مرة: "أنا لا أتحدث بلغة الشتائم بل بلغة الوقائع"… وعادت بي الذاكرة الى شتائم وكيل السيد والوقحة في جلسة علنية للمحكمة الدولية، قبل أن أستفيق على شتائم السيد شخصيا في المؤتمر الصحافي المطوّل، وعلى إعلانه استعداده للقتل، ولو بعد 5 سنوات، وكأن اللبنانيين فقدوا ذاكرتهم ولا يعرفون تاريخ جميل السيد في القتل وتركيب الملفات، والأمثلة لا تنتهي في هذا الإطار. صورة الشهيد رمزي عيراني دهمت مخيلتي، وصور شهداء كنيسة سيدة النجاة استصرختني… وكرّت الصور!
طيف الشهيد سمير قصير يلاحقه جميل السيد لم يفارقني وصور وحشية 7 آب 2001 ماثلة دائما في الأذهان… وجميل نفسه يحاضر في العفة!
أما حين يتحدث عن المحكمة الدولية فيصيبه الألزهايمر… يظن نفسه في حضرة محكمة عضومية اعتادت أن يملي عليها بعض الضباط أو السياسيين نصوص أحكامها ومحاضر تحقيقاتها!
وهو الوضع نفسه حين يتحدث عن غيره، يحاول أن يمارس إسقاطاته على الآخرين، فيصف العقيد وسام الحسن بما كان يفعله بنفسه (أي السيّد) مع رستم غزالي: يتجرجر على صباته… وهكذا دواليك.
أما حين باشر محاضرته عن الفساد فكم وددت لو أن صحافيا واحدا يتجرأ ويسأله عن حجم ثرواته وعشرات ملايين الدولارات التي يملكها في حساباته المصرفية في لبنان والخارج، ومن أين له هذا؟! من أين؟!
وفي موضوع مطالبته الرئيس الحريري بتسليم عدد من القضاة والضباط والصحافيين الى القضاء السوري بذريعة الاتفاقية الموقعة بين البلدين منذ العام 1951، سألت روح الشهيد بيار بولس: كيف أبقت السلطات السورية على قاتليّ أكثر من 8 أعوام من دون تسليمهم؟ ولماذا لم يتم تسليم غير شخص واحد؟ ولماذا لم تنفذ السلطات السورية الاتفاقية الشهيرة؟
ويفاخر السيّد بالتوجه الى الدكتور سمير جعجع ليقول إنه (أي السيّد) قام باعتقال الكثر في موضوع العمالة لإسرائيل من دون أن يسمي لنا عميلا واحدا. ونحن نسأله: هل كان منطق اعتقال العملاء قائما على العمالة لإسرائيل أم على تركيب الملفات كما كان يحصل مع كل أفراد التيار السيادي؟
لعل جملة واحدة كانت صحيحة من كل ما قاله السيد، وقد زحط فيها من دون أن ينتبه: قال إن عمره 60 سنة وإنه كوّن اقتناعاته في عمر الـ40 (تقريبا) أي أنه يعترف بأنه في عمر الـ40، وتحديدا في العام 1990 مع الدخول السوري الى المناطق الشرقية يومذاك، بدّل جميل السيد كل اقتناعاته والتزم بالخيار السوري والولاء لسوريا على حساب بذته العسكرية… وبالتالي فهو لن يغيّر هذه الاقتناعات مع وصوله الى سن الـ60!
تبقى نقطة أخيرة عالقة مع جميل السيد، وهي حين وصف "القوات اللبنانية" بأنها الفرع الشرقي لـ"تيار المستقبل". وبالإذن من رفاقنا في "تيار المستقبل"، فإن "القوات اللبنانية" حين كانت تواجه السوريين ومرتزقة السوريين من أمثال جميل السيد لم يكن تيار المستقبل ولد بعد ولم يكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري دخل الى السياسة اللبنانية بعد.
وحين نحتفل في 25 أيلول الجاري بذكرى شهدائنا الذين فاقوا الـ15 ألف شهيد، فهو لكي يتذكر أيضا جميل السيّد وأمثاله أن من دافع عن إيمانه ومبادئه ودفع دمه ثمنا لذلك، لا يمكن لوضيع مثل السيّد، مهما تمادى في حقارته أن يتطاول على تضحيات آلاف الشهداء الذين سقطوا كي يمنعوا أمثال جميل السيد من تحقيق مشروعهم في لبنان.
نسينا جملة ثانية كان فيها جميل السيد على حق، وهي حين تنبّأ بأن موقع "القوات اللبنانية" سيردّ عليه… نعم صدق في ذلك ولو أننا نرد بقرف و"من دون نفس" كما يقال بالعامية!