#adsense

عن “جاهلية” بمقلبين !

حجم الخط

بين الاسبوع الاخير من آب الماضي وعطلة عيد الفطر قبل ايام قليلة، تعاقبت بوتيرة سريعة موجات احتدام كلامي داخل الوسط السياسي اللبناني وتدرجت من أحداث برج ابي حيدر الى مسألة "شهود الزور" الزاحفة بقوة الى الواجهة مرورا بسجالات على خلفية هجوم العماد ميشال عون على رئيس الجمهورية، ثم حديث للنائب الكتائبي سامي الجميل والردود عليه ومن ثم انفجار الموجة الاخيرة حول قضايا متصلة بشعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي.

بطبيعة الحال لا تتصل اثارة هذه الاستعادة بأرشفة قضايا سجالية لا تزال مفتوحة وتملأ يوميات اللبنانيين بضجيج الصخب المتصاعد حولها، وانما بأمر آخر تكشفه هذه القابلية السريعة لاشعال التوترات الكلامية وانخراط معظم الوسط السياسي فيها في وقت يسري فيه تعميم اكذوبة المهادنة والتهدئة وما اليهما من مشتقات مخادعة.

المفارقة في هذه الموجات المتعاقبة هي انها تبدو البدل عن ضائع لمعركة كبيرة يخشاها الجميع وتهرول معالمها تباعا، والاستعاضة عنها بمعارك صغيرة هامشية يستعمل فيها كل انواع الكلام الفواح والعابق بـ"النيات الحسنة".

واذا كان من مدلول يعتدّ به في معاينة هذه السجالات والمعارك الكلامية، فهي انها تشكل اسوأ ما حل بالوسط اللبناني السياسي على الاطلاق من هبوط، ليس على المستوى التعبيري و"الثقافي" فحسب، بل على مستوى الحدود الدنيا المقبولة للمعايير الديموقراطية.

هذا العنف التعبيري واللفظي الذي يفوح من معظم ادبيات الخطاب السياسي يبدو كأنه نذير للخطأ القاتل الذي يرتكبه اللبنانيون في المضي بالتصفيق، بل بـ "الاصطفاف" والاستسلام والتفاعل مع هذا الهبوط المريع للآليات الديموقراطية و"رجالها" ورموزها.

في هذا البلد تجري كل يوم "مقتلة مرورية" دفعت بلبنان الى احتلال المرتبة المتقدمة بين دول المنطقة في ضحايا حوادث السير. معنى ذلك ان المواطن اللبناني نفسه صار الخطر الاول على نفسه وصار قاتلا وانتحاريا لمجموعة دوافع واسباب، ليس اقلها انه يعيش جاهلية حقيقية يتمرد فيها على النظام والقانون حتى لو ادى ذلك الى انتحاره. ومعنى ذلك ايضا انه مواطن طبع بالعنف واللانظام، تماما كما هم من يمثلونه في السياسة.

ومع ذلك، ورغم المأساة الفظيعة لهذه المقتلة الجوالة اليومية على طرق لبنان وفي مدنه وقراه، لا تجد ظاهرة "انتحارية" جماعية كهذه حرفاً في تصريح سياسي او خطاب زعيم او "موجة" سجالية مثلا.

لا مجال والحال هذه الا بالتسليم بالقاعدة "الجاهلية" التي تسود لبنان وهي ان "الناس على دين ملوكهم"، والعنف هو اياه هنا وهناك.
حتى انه يمكن الذهاب ابعد في هذه المفارقة، الى ان "شعبا" يصطفي وينتخب ويفوض ممثليه بمثل هذا الاصطفاف الاعمى، يرغب في سيادة "العنف" اكثر من كونه يطمح الى "تصحيح ديموقراطي".

حين يهلل الناس لهذا النمط التعبيري الهابط لمعظم ممثليهم فالامر لا يبقي شكا في ان ثقافة التمرد على النظام وصورة الدولة هي اشنع ما حل بلبنان وابشع ما اصاب ديموقراطيته.

كأن التواطؤ على النظام هو السمة القاتلة في الجانبين والمقلبين. والا فكيف يسلم الناس لهذه الظاهرة الجاهلية، ظاهرة النطق باسمهم بهذا الهبوط وظاهرة الانتحار تمردا على القانون؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل