أمران شاذان أصبحا من تقاليد السياسة اللبنانية.
الأمر الأول هو الاحتكام الى السلاح لدى وقوع أي خلاف في المواقف أو حتى مجرد اختلاف في وجهات النظر. وغالباً ما يؤدي هذا الأمر الى سقوط ضحايا بين قتلى وجرحى. كما يؤدي الى حرائق وخراب ودمار في الممتلكات الخاصة والعامة. ولأن السلاح موجود سراً وعلانية وبكميات كبيرة وبأنواع مختلفة مع معظم الأفرقاء ولو بنسب متفاوتة فإن الاحتكام اليه يجري على أساس الاعتقاد بأنه أقصر الطرق الى بلوغ الهدف.
أما الأمر الثاني فهو تحول دور قوى الأمن من حافظ للأمن العام وفارض لهيبة القانون، الى دور المصلح بين ذات البين. فلدى وقوع أي صدام مسلح بين أي فريقين، كما حدث في الأسبوع الماضي في بيروت بين حزب الله وجمعية المشاريع (الأحباش)، فإن قوى الأمن لا تتدخل إلا بعد اتصالات مع الطرفين المتقاتلين وبعد موافقتهما. ويقتصر دور هذه القوى على جمع المسؤولين من الطرفين للاتفاق على وقف النار وسحب المسلحين من الشوارع وإصدار بيان مشترك باستنكار ما حدث واعتباره حادثاً فردياً لن يعكر صفو العلاقات الأخوية بينهما. وبذلك يعود كل طرف مع سلاحه الى موقعه وكأنه عائد من مناورة بالذخيرة الحية. فيما يتولى ذوو الضحايا دفن أحبائهم أو السهر على معالجتهم في المستشفيات.. وإعادة ترميم بيوتهم المدمرة، وأثاثهم المحترق عن طريق الاستعانة بقروض مصرفية وبفوائد مرتفعة.
يشكل هذان الأمران ظاهرة سياسية أمنية لا تعرف مثيلاً لها أي دولة عربية أخرى. وهذه الظاهرة ليست جديدة على الحياة السياسية الأمنية اللبنانية فقد عرفها لبنان طوال سنوات الحرب الداخلية التي عصفت به من عام 1975 حتى عام 1990. وكانت الإدارة السورية تتولى جمع ممثلي الأفرقاء المتقاتلين وتقنعهم بوجوب وقف التقاتل وتشكيل قوى مشتركة تمثل المتقاتلين للإشراف على الأمن في المناطق المتنازع على زعامتها، حتى أصبح ظهور رجل الأمن اللبناني في الشارع بلباسه الرسمي يشكل خطراً على حياته.
في الأساس نص ميثاق الطائف 1989 – الذي رعته المملكة العربية السعودية مع جامعة الدول العربية على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. ولم ينص الميثاق على بسلط سلطة القوى الحزبية المسلحة بل على تجريدها من السلاح. ومن المعروف أن لا سلطة للدولة حيث تفرض قوى حزبية مسلحة سلطتها بقوة السلاح.
وفي الأساس أيضاً نص اتفاق الدوحة 2008 الذي رعته قطر على عدم اللجوء الى السلاح في الصراعات والخلافات المحلية.
وفي الأساس كذلك نص البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية القائمة اليوم على معادلة الجيش والمقاومة والشعب للوقوف في وجه أي عدوان إسرائيلي.
غير أن ما حدث في بيروت للمرة الثالثة منذ عام 2008 يتناقض مع هذه النصوص الثلاثة. فالدولة لم تبسط سيادتها على المناطق التي تحتفظ فيها قوى حزبية بسلاحها إلا شكلاً. وبالتالي فإن قرار عدم استخدام السلاح في الخلافات السياسية المحلية بقي حبراً على ورق. فالتهديد باستخدام السلاح، واستخدامه الفعلي، لا يزال أداة من أدوات العمل السياسي، وذلك على قاعدة أن من لم يقتنع بمنطق الفريق المسلح لا بد أن يقتنع بقوة سلاحه.
ومع استفحال النتائج المترتبة على هذا الأمر لم تجد القوى الأمنية التابعة للدولة والتي تحرص على أن تتجنب الاحتكاك بالقوى الحزبية المسلحة، أي مجال للعمل سوى إصلاح ذات البين وحث المتقاتلين على "تبويس اللحى" وعفا الله عما مضى!!.
كانت قوى الأمن تتدخل بقوة لفضّ الاشتباك. وكانت تبادر بقوة الى اعتقال المتقاتلين والى مصادرة أسلحتهم. وكانت تجلبهم الى النيابة العامة العسكرية التي تحقق معهم وتحاكمهم وتحكم عليهم. وتنفذ بحقهم الأحكام.
كان ذلك أيام زمان. عندما كان الأمن أداة لفرض هيبة الدولة ولتنفيذ القوانين والأنظمة. غير أن التخوف من أن يفسر التعرض للسلاح المنتشر بين قوى حزبية على أنه يستهدف سلاح المقاومة أصبح الأمن يتحقق بالتراضي. والتراضي حالة موقتة. وهي حالة يتوقف استمرارها أو عدمه على حسابات القوى المسلحة وحتى على أمزجتها. وقد أدى هذا الأمر الى بروز حالة الانكفاء التي تجعل من دور قوى الأمن الرسمية أشبه ما يكون بدور المشايخ المتصوفة.
فالاشتباك المسلح الأخير الذي عانت منه أحياء في بيروت، وقع بين فريقين يطرح امتلاكهما للسلاح في قلب العاصمة علامات استفهام كبيرة. بالنسبة لحزب الله وهو رأس الحربة في مقاومة العدو الإسرائيلي، لا تقع بيروت على الحدود مع العدو وبالتالي فإن السلاح في شوارعها لا يمكن أن يفسر على أنه يستجيب لحاجة المقاومة. وبالنسبة لجمعية المشاريع الإسلامية، فإنها تعلن عن نفسها بأنها جمعية إسلامية خيرية، الأمر الذي يتطلب تفسيراً لمبدأ امتلاكها السلاح.
إذا اصطدمت قوات الأمن بالفرقاء المتقاتلين أو بأي فريق منهم، فأنها تخشى أن ينعكس ذلك سلباً على وحدتها. وتعود هذه الخشية الى أن المشكلة الجوهرية التي يعاني منها لبنان هي أن الولاء الطائفي لا يزال أقوى من الولاء الوطني أو أنه في أحسن الظروف المدخل الى الولاء الوطني. وبما أن الفرقاء المسلحين ينتمون الى أديان والى مذاهب مختلفة، فإنهم يفسرون مواقفهم التي يدافعون عنها بالسلاح على أنها تعبّر عن إرادة الطائفة التي يمثلون أو التي يدّعون تمثيلها. وبما أنهم يعتبرون أن ما هو خير للطائفة هو بالضرورة خير للوطن، فإنهم يعتبرون بالتالي هذه المواقف تعبيراً عن إرادة الوطن ودفاعاً عن مصلحته العليا.
من هنا تخشى القوات الأمنية الرسمية اذا تدخلت بالقوة أن يتحول صدامها مع القوى الحزبية المسلحة الى فتنة داخلية. كما تخشى أن تعرّض هذه الفتنة وحدتها للخطر. ولقد عرف لبنان هذه المظاهر السلبية طوال سنوات المحنة الطويلة التي مر بها.. لذلك تجد القوات الأمنية نفسها مخيرة بين أمرين أحلاهما مر. إما أن تتدخل وتتعرض بالتالي لهذه المخاطر.. وإما أن تنكفئ وتكتفي بممارسة دورها التوفيقي بين القوى المسلحة في كل مرة تتعرض فيها العلاقات بين هذه القوى الى الاضطراب أو الى سوء الفهم، أو لدى وقوع "حادث فردي" على النحو الذي عرفته بيروت أخيراً.
من هنا ولد شعار "بيروت منزوعة السلاح". والسلاح المطلوب نزعه هو سلاح القوى الحزبية، وليس سلاح المقاومة الذي يرتفع في وجه إسرائيل. ولكن دون نزعه أهوال سياسية وأمنية. فالسلاح الحزبي لم ينزع في لبنان إلا بالتراضي وبالتوافق. حدث ذلك بعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها في عام 1990. فجمع السلاح من القوى المتقاتلة. ولم ينتزع منها. أي أنه جُمع بالتراضي ولم يُنزع عنوة. بعض هذه القوى باع ترسانته من الأسلحة الى قوى أخرى خارج لبنان. ولقد وجد هذا السلاح من يستخدمه في البلقان وفي افريقيا.
وأعيد بعضه الى مصادره إما الى سورية أو الى الجيش اللبناني. إلا أن تجديد التسلح عملية ميسرة إذا ما توفر التمويل.. والتمويل ليس مشكلة إذا كان للممول مصلحة أو مشروع سياسي.
فأثناء الحرب اللبنانية كانت القوة الشرائية للعملة اللبنانية (الليرة) مرتفعة. وكان الدولار يساوي أقل من ثلاث ليرات. ولكن عندما بدأ التمويل الخارجي للحرب يتراجع، بدأت قيمة الليرة اللبنانية بالتراجع أيضاً حتى وصلت عندما توقف التمويل الخارجي الى ثلاثة آلاف ليرة للدولار.
وهذا يعني أنه عملياً يتعذر نزع السلاح. وأنه يتعذر قطع الطريق أمام تمويل التسلح.. ولذلك يبقى قدَر لبنان هو ممارسة الحكم بالتوافق بين السياسيين.. وتوفير الأمن بالتراضي بين المسلحين.. حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً!!.