"لا تدخل في شؤون لبنان الداخلية، لا تسلل عبر الحدود، لا خرق للأجواء والمياه الإقليمية، لا إتفاقات تحت وطأة السلاح، لا تعهدات في ظل الإحتلال، لا غريب يخرج على القانون، لا طارئ يستوطن البلاد، لا دبلوماسي هنا يتعاطى مع غير حكومة لبنان، لا دبلوماسي لبنانيا هناك ينفذ سياسة غير لبنانية. لا فروع لأحزاب مستوردة، لا حرب عصابات بين أجهزة المخابرات، ولا أمن مستعار.
إن كل القوات الغريبة الموجودة داخل الأراضي اللبنانية مدعوة الى الإنسحاب ليتولى الجيش اللبناني بمعاونة أجهزة الأمن اللبنانية بسط سلطة الدولة وتوفير الأمن على طول حدود الوطن بحيث تكون حدودنا مصدر طمأنينة وسياج سلام لجيراننا ومظهر سيادة لإستقلالنا". (من خطاب القسم للرئيس الشهيد بشير الجميّل 23/08/1982).
عندما تستمع لجميل السيد، أحد أبرز الضباط المتعاملين مع سوريا أثناء احتلالها للبنان، وهو يهدد رئيس الحكومة والقضاة والمسؤولين السياسيين والأمنيين، تتساءل فعلاَ عن مستوى قلة الحياء الذي وصل إليه بعضهم في تعاطيهم الشأن العام، لا سيمّا وأن أخبار السّيد و"إنجازاته" لا تزال راسخة في أذهان الناس، وبخاصة أولئك الذين تنعّموا بعدالة النظام الأمني اللبناني- السوري المشترك، كما لا تزال وقائع الترهيب والإبتزاز موثقة في كتابات الشهيد سمير قصير عن "الشخص".
وعندما تستمع لنعيم قاسم، المؤمن بأن لا حدود جغرافية لحكم الولي الفقيه وبأن قراري الحرب والسلم هما من صلاحياته، وهو يطالب بدحرجة الرؤوس والإقتصاص من هذا وذاك من العملاء، يعتريك شعور بالغثيان، خاصة وأنت تشاهد دحرجة رؤوس الطلاب المعارضين للنظام الإيراني وأحكام الرجم بحق النساء وما إلى ذلك من روايات عن نظامٍ ينشد البعض تطبيقه على اللبنانيين، من عشاق الحرية ورواد النهضة الثقافية والفكرية في هذا الشرق.
وعندما تستمع للطفيليات السياسية من أمثال الوهاب والقنديل وهي تشتم وتهين وتفبرك الروايات وتفاخر بأننا على قاب قوسين من العودة بالبلاد إلى ما قبل عام 2005 من دون خجل، لا ريب وأن تشعر بالقرف من مشاهدة زواحف بشرية لا تبتغي سوى لعق الأحذية والخنوع طمعاً بمقعد نيابي أو وزاري على حساب الكرامة الشخصية وكرامة الوطن.
أمام هذا المشهد المخزي لبعض رجالات هذا الزمن، تطل علينا الذكرى الثامنة والعشرون لاغتيال الرئيس الحلم الشيخ بشير الجميّل، حيث يحلو للذاكرة أن تستعيد زمن الرجال، زمن الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن لبنان، وليس دفاعاً عن مشروع سوري – إيراني تحت شعارات كاذبة تبدأ بالدفاع عن لبنان ولا تنتهي باستعادة فلسطين.
في أيلول من كل عام، نستعيد الذكرى، لا وفاءً لشهدائنا فحسب بل إيماناً منّا بأن لا مستقبل للبنان ولا للأجيال الطالعة سوى بإكمال مسيرة الشهداء والسير على خطاهم نحو دولة عصرية تقوم على الحرية، دولة تحتكر قراراتها السيّادية ولا تسمح لغريب واهم من هناك ومرتزق خائن من هنا بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وبإنهاء الحلم الجميل الذي وإن طال الزمن فهو لا بد سيتحقق.
في أيلول من كل عام، نجدد العهد والوعد، العهد لشهداء المقاومة اللبنانية ولشهداء ثورة الأرز، والوعد للبنان:
بأنه لن يعود إلى ما قبل العام 2005، مهما ازداد فجور الفاجرين، فزمن الوصاية ولّى ولن يعود.
بأننا سنعيده وطناً يفتخر به أبناؤه، لا ساحة للصراعات الإقليمية وللأطماع السورية – الإيرانية والإسرائيلية، ولا مزرعة للفساد والمفسدين.
بأن العدالة آتية مهما طال الإنتظار، والمحكمة الدولية مستمرة والمجرم، كائناً من كان، سينال عقابه.
بأن السلاح غير الشرعي سيسقط، ولن تنفعه التهديدات والتجاوزات واجتياح الشوارع وإخضاع بعض الساسة.
بأننا لن ننسى المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وبأن العلاقة لن تستقيم بين البلدين من دون وضع حد نهائي لمعاناة أمهاتهم.
بأننا لن نألوا جهداً، لإعادة الأقزام التي تملأ الشاشات وتحتل منابر الكبار إلى جحورهم.
بأننا سنبقى أهل الوفاء، لن نتنازل، لن نساوم، لن نهادن، لن نخضع، لن نخون.
وعدنا لك يا لبنان، لن نخون.