#dfp #adsense

البكاء على الأطلال

حجم الخط

… الطلل هو الرسم الدارس أي الأثر المتبقَي من القبيلة المترحَلة. أمَا عن علاقته بالبكاء، فالأهميَة تكمن في التحليل النفسي الغريب عن البيئة الجاهلية، أذ أنَ الطلل في القصيدة الجاهلية يتخطَى واقعه المادي المحسوس، ليصبح حالة محفَزة على البكاء. ومعنى ذلك أن الشاعر المغرم، عندما يأتي لزيارة الحبيبة فيجدها قد انتقلت مع قبيلتها بحثا عن الماء والعشب، يقف أمام الآثار الباقية يبكي ويستبكي. وهو هنا لا يرى في الطلل مجرَد بقايا لا قيمة لها، بل وجه الحبيبة الذي اشترك في رسم ملامحه الأنسان والطبيعة، والذي يثير فيه التذكَر والأشتياق، فيتمظهر وضعه الوجداني دموعا يبتلَ منها خدَاه.

إنَ حالة الشاعر الجاهلي شبيهة بحال الجنرال "الجاهلي"، والحبيبة هنا هي في الواقع كرسي الرئاسة. هذا الكرسي الذي كان عصيَا على الجنرال اللاهث، الذي نشبت فيه شمس الخيبة المحرقة أظافر التعب، ونشرت أمام عينيه ضبابا كمثل أشرعة بغير مراكب. لكنَه ظنَ السراب حقيقة، فتابع الركض خلفه، وقد جفَ حلقه، وذهب العطش ببعض عقله، فسعى الى الماء ولم يجد نفسه الاَ أمام رمل كاذب. ويتهالك الجنرال وتدور عيناه في رأسه مذعورتين، لكنَه يكمل الطريق جاهدا متمرَدا على خيبته، وتتكرَر المعاناة.

من حقَ الجنرال أن يبكي، فحسناؤه التي لوَح الحرَ وجهها الأسمر، قد ابتعدت وانفصلت عن حلمه المليء بالليل، بأشباحه وأطيافه وتخيَلاته الموحشة، وكأنَها كشفته فأبت أن تعقد عليه قرانها. من حقَه أن يبكي هذا المخدوع العينين ببريق السراب، الذي تعرَض لهبوب الريح من جهة الشام ولم يدرك أنها تنذر بالجفاف، وقد أطلق عليها الجاهليَون اسم الريح الشامية أو التشاؤمية. من حقَه أن يبكي، وأن تحفر الحسرة في قلبه أثلاما من الحزن، لأن الوعد ضاع بعد أن استغلَ من أوهمه به "قدراته" حتى الأستنفاد، وقد خرج الجنرال من هذه المغامرة صفر اليدين. وما أشبه حكايته مع مستثمريه باستغلال كافور الأخشيدي مدائح المتنبي، وذلك من دون أن يقع الوالي في خطأ أهداء الشاعر ولاية يحكمها خوفا من طموحه. وساءت الحال بين الرجل والعبد، فهرب المتنبي كاسبا نفسه من دون الحكم، وتاركا في مصر أقسى ما يمكن أن ينظم في باب الهجاء. وفي المحصَلة خسر المتنبي، وهو أحد كبار ملاَحي سفن الشعر، وربح العبد الغليظ الشفتين لأنه كان الأذكى.

وقد يشعر الجنرال، صاحب النفس التوَاقة الى المجد، بأنَ له حقا اغتصبه منه الآخرون ولا بدَ من استرجاعه، فاستعمل الناس مطايا الى هدفه موهما أيَاهم بأنَه "المنتظر"، ولمَا لم يظفر بالمطلوب عمد، وبألحاح، الى التكسَب والتزلَف. لكنه واجه جفوة الحظ، فغلبت عليه نزعة الهزيمة الملوَنة بالنقمة والشكوى والمرارة. أما أبرز ما انتابه فهو الشعور بالقلق،لأن السنين بدأت تتفلَت من بين أصابعه، وهذه خسارة من دون تعويض. فكان من البديهي أن يثور مغتاظا، وفي مزاجه عصب سريع الأنفعال، وأن يستخدم أجرح أدوات حقده، وهو المتطيَر الذي يهرب من نفسه التي باتت كالمرايا المعقوفة تظهر له صورته المحدَبة الممسوخة، فيلعن الزمان والناس علنا، ويلعن حظَه العاثر في السرَ.

انَ الألم الممض الناتج عن عدم أقبال كرسي الرئاسة عليه والأشاحة عنه، يمكن أن يدفع بالرجل الى البكاء. فالأجدى، في هذا المجال، أن يعزل الجنرال نفسه في بادية حارَة ويتصل بشياطين الوحي، علَها تعينه على أنتاج معلَقة تخلَد بكاءه، ونحن نعده بكتابتها بماء الذهب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل