وسط حركة ديبلوماسية نشطة وزيارة ميتشل لبيروت
إنهاء المحكمة هدف لا يطمسه انطلاق المفاوضات
يتصاعد الصخب الداخلي على خلفية السعي الى اطاحة المحكمة الدولية وتضخيم موضوع "شهود الزور" وضرورة ملاحقتهم، الى حد طغيان هذا الموضوع على معرفة قتلة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وكل ضحايا الاغتيالات، على وقع حركة نشطة تبدأ هذا الاسبوع في المنطقة مع انطلاق المفاوضات المباشرة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية. واذ يصل المبعوث الاميركي جورج ميتشل خلال الايام القليلة المقبلة الى بيروت، فإنه يغدو غير ممكن على الاقل التمييز بين التصعيد المتعلق بالمحكمة الدولية وذاك المتعلق باستئناف المفاوضات، علما ان لهذا العامل الاخير مفاعيله ايضا في لبنان كما كان دوما. الا ان الضجيج الداخلي والسعي بقوة الى انهاء المحكمة يمنع الرؤية، وحتى الاهتمام العملي بما يحصل على صعيد المنطقة، علما ان ميتشل سيزور سوريا ايضا. وليس واضحا ان كان يُقصد بالتصعيد اخذ كل القضايا المطروحة بعضها بجريرة البعض الآخر من حيث ان الاستقواء على الطرف المعني بالمحكمة وما اصابه بالاغتيالات يكون من خلال المطالبة بطي صفحتها واعتبار من مات قد مات، في حين يعطى من يعتبرون انفسهم قد ظُلموا في افادات قدمها البعض الى التحقيق الدولي حقاً يستدرج استقواء هذا الطرف على الحكومة ورئيسها. وهو امر يترجم بارتباك على مستوى الحكومة يطاول اكثر من ملف في علاقة لبنان مع الخارج، اكان ملف تسليح الجيش ام المساعدات الاميركية له ام الموقف من القرار 1701 والوضع في الجنوب الى سائر الملفات الاخرى التي يلحظ ديبلوماسيون كثر انها في حاجة الى وضوح اكبر في موقف الدولة اللبنانية لا يبدو متاحا نتيجة الضغوط التي تشتد على رئيس الحكومة.
الا ان المصادر المعنية تعتبر ان موضوع المحكمة يطغى على الانشغالات الاخرى لا بل لا يرغب احد في الاضاءة على هذه الانشغالات ايا تكن اهميتها حتى لو كانت المفاوضات المباشرة تثير انزعاجا وقلقا وذلك من اجل عدم تضييع التركيز الاعلامي والسياسي على موضوع المحكمة ولاجل ابقاء الضغط قائما بقوة على رئيس الحكومة من اجل التخلي عنها. اذ في الوقت الذي اثار الموقف الاخير لرئيس الحكومة سعد الحريري التباسا في الخارج حول التراجع عن الاتهام السياسي لسوريا وتبني موضوع "شهود الزور" بحيث لم يفهم جيدا ما قصده، فإن الحملات استعرت عليه في الداخل في ضوء التفسيرات لمواقفه من انه يرغب في فك الاشتباك بين المحكمة وما حولها من اجل حماية مسارها، ولمّا كان الهدف هو انهاء المحكمة فإن المعركة ستشتد اكثر فأكثر في المرحلة المقبلة بحيث ان اي مرونة في المواقف لن تكون كافية او مقبولة حتى النجاح في انهائها. ولم يعزل الهجوم الاخير الذي قام به احد زوار العاصمة السورية على الرئيس الحريري عن خلفية سورية داعمة لهذا الاتجاه، أقله من حيث التوقيت والشكل والمضمون ربما من دون كل التفاصيل الصغيرة التي وردت في هذا الهجوم، الامر الذي يعطي الحملات الاخيرة أبعاداً كبيرة يخشى منها ترجمة التهديدات السابقة حول ما يطاول الاستقرار من الاقوال الى الافعال، فهذه التغطية السورية يقرأها البعض بمثابة ضوء اخضر لمرحلة تصعيدية جديدة تستفيد منها سوريا على نحو خاص في هذا التوقيت بالذات اي في عزّ التوجه إليها فرنسياً واميركياً من اجل حماية انطلاق المفاوضات المباشرة بين اسرائيل والفلسطينيين ومنع انهيارها، بحيث يتعذر مطالبتها بالمساعدة على هذا الصعيد ثم كف يدها عن تغطية غير مباشرة ظاهرياً في الضغط في موضوع المحكمة في لبنان او حتى على كل الوضع فيه ما دام الاهتمام الدولي ينصب على محاولة تحقيق انجازات في أمكنة اخرى في المنطقة. وذلك علماً ان العواصم المؤثرة لا تزال تتمسك بموضوع المحكمة بقوة كما بتمويلها.
وهذه المرحلة التصعيدية الجديدة ستشهد وفق توقعات المصادر السياسية الانتقال الى مستويات اخرى من التعاطي، على ما حصل في تحويل الهجوم على الحريري الى إهانات شخصية والدعوة الى تحرّك على الارض، علما ان ذلك لا يعني تطيير الحكومة وفق ما لمح بعض قوى 8 اذار وخصوصاً الحليف المسيحي لـ"حزب الله". والبعض يقول ان قوى 8 اذار تحتاج الى الرئيس الحريري في رئاسة الحكومة وتتمسك ببقائها راهناً، على ما ذهب الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، من أجل انهاء المحكمة في شكل اساسي، اذ انه يمكنها مواصلة الضغوط على الحريري في موقعه الراهن وتعطيل عمل الحكومة وابقاء الاستقرار هشاً ومعرضاً للسقوط في أي لحظة في حين انها لا تستطيع ممارسة الضغوط عليه وهو خارج رئاسة الحكومة. لذلك فإنها لن تتخلى عن الحكومة راهناً حتى تحقيق هذا الهدف.