#adsense

شعبان؟ معليش

حجم الخط

هل تذكرون يوسف شعبان الذي حكم عليه بالإعدام، ثم خفّف الحكم الى المؤبّد، وبيّنت الوقائع انه غير مذنب لكنه مع ذلك أمضى في السجن 15 عاماً؟
شعبان هذا لم يكن مسؤولاً عن أي جهاز أمني لبناني، ولم يلقِه ديتليف ميليس في السجن، ولم يَصِفْ الشهود الذين أودوا به الى حافة الموت بأنهم شهود زور، برغم انه كان بريئاً، وهم كانوا مفبركين.

شعبان هذا فلسطيني الجنسية وُلد عام 1965، كان يقيم في مخيم برج البراجنة وكان "نشاطه" التنظيمي في "المجلس الثوري" يقتصر على تسليم عائلات شهداء فلسطينيين مساعدات شهرية.

في 29 كانون الثاني 1994 اغتيل السكرتير الأول في السفارة الأردنية في بيروت نائب عمران المعايطة وأُلقي القبض على يوسف شعبان في 5 شباط 1994، وتمّ رميه في صندوق واحدة من 3 سيارات دهمت بيته، ثمَّ وُضع في دهاليز عدة تابعة للمخابرات السورية، وبعدها نُقل الى سجن الشرطة القضائية في بيروت وبقيت عيناه معصوبتين طوال تلك المدة. خلالها اكتشف "البلانكو" والكرسي الألماني والصعق بالكهرباء.

بعد انقضاء نحو أسبوع على اعتقاله أرسل الأردن فريق مخابرات خاصاً للتحقيق في ملفه، وبعد يومين، عاد الى عمان غير مقتنع بذنب يوسف ولا سيما بعد اطّلاعه على كل المعلومات المتوافرة.

على الرغم من إصرار يوسف على براءته وأنه يوم الحادث كان في منطقة البقاع لشراء سيارة بصحبة صديقيه يوسف عبواني وبسام عطية جبر وأنه يملك أدلة وشهوداً يثبتون كلامه، فإن قاضي التحقيق طلب منه الاعتراف باغتيال الديبلوماسي الأردني ثم تعرّض لأعمال تعذيب نفسية فادحة، كما تمّ اعتقال صديقيه وخُيِّرا بين اتهام شعبان أو أن يرى العبواني طفلته وزوجته تتعذّبان في زنزانة مواجهة لزنزانته، وقد انتزعت من صديقيه ومن بعض الشهود والعائلات الذين كان يوسف يعرفهم إفادات لإلصاق التهمة به برغم محاولات محاميه إبطال التحقيقات الأولية نظراً الى أعمال التعذيب التي أخضع لها الشهود أثناء جلسات الاستجواب. لكن المحكمة رأت أنه لم يقع أي نقص في الشكليات القانونية والاعترافات الناتجة من هذه الاستجوابات. وخلال المحاكمة تمّ اتّهام يوسف شعبان بإطلاق النار على الديبلوماسي الأردني، وحكم عليه بالإعدام وتم خفض الحكم الى السجن المؤبد، فيما حكم المجلس العدلي على يوسف عبواني وبسام عطية بالسجن عشر سنوات "لتواطئهما" في اغتيال الديبلوماسي. وقد أنهى الرجلان عقوبتهما وغادرا لبنان فور إطلاق سراحهما.

في الأول من آذار 2000 اعتقلت السلطات الأردنية محمد أحمد سلامة (أبو شنار) في القضية عينها وحصلت منه على اعتراف كامل وشرح لأدقّ التفاصيل وكيف تمّ التحضير لاغتيال الديبلوماسي وتنفيذه، وأعطى توصيفاً بالغ الدقة لظروف العملية.

كانت المفاجأة أن المحاكمة الأردنية لم تأتِ على ذكر يوسف شعبان في أي وقت من الأوقات. حتى أن المتّهم أبو شنار نفى مشاركة شعبان ورفيقيه في العملية. وفي الثالث من كانون الأول 2001 دانت المحكمة الأردنية أبو شنار وعقاب نمر سليمان فقهاء وجمال درويش مصطفى فطاير الملقّب براشد أحمد عطية باغتيال الديبلوماسي الأردني، وحكم بالإعدام على الأول والثالث ونفذ فيهما لاحقاً.

برغم "البراءة الأردنية" ظلّ شعبان سجيناً، بقوّة شهود الزور والمزوّرين (بالمقارنة مع اعترافات المحاكمين في الأردن)، وبضغوط التنكيل والتعذيب، وأحكام المجلس العدلي المبرمة. لم ينقذ شعبان من الظلم سوى عفو رئاسي خاص أصدره الرئيس ميشال سليمان في 11 تموز 2009.

شعبان البريء، ضحيّة الشهود الذين ثبت أن النظام الأمني المشترك "فبركهم"، أمضى 15 عاماً في السجن، لأن القانون لا يوفّر له مخرجاً من حكم المجلس العدلي المبرم، وغير القابل للنقض.

في حالٍ مقابِلة، أوقف 4 ضباط 4 سنوات، في ظروف مشابهة: شهود (زور – حسب التسمية المتداولة وهو أمر لم يثبت قضائياً) وقانون أصول محاكمات يسمح بتوقيفهم في ظل القانون اللبناني الى ما لا نهاية (طبخه واحد منهم أيام الهيمنة)، ولم يطلقوا إلا عند مفصل التلاقي بين انتهاء التحقيق الدولي وبدء المحكمة الدولية وضع نظامها قيد التطبيق. وهي لم تقرّ بوجود شهود زور، ولم تؤكّد براءة الأربعة، ولا إدانتهم.

في حال شعبان لم يتنبّه أهل الضجيج للظلم الذي وقع عليه. وفي الحال الأخرى لا ينفك العزف على وتر الظلم يتصاعد، مما يعني أن الظلم ليس مداناً بذاته، بل بمن يصيب. ويعني استطراداً، أن لا مكان للمبادئ العليا والقيم الانسانية في ما يثار، بل المكان هو للمماحكة السياسية، التي تسمح لطرف بأن يدعي تنصيب نفسه ميزاناً ومرجعاً، فيرى في توقيف الضباط خطيئة، ولا يرى أي خطأ في أن شعبان كان ضحية أمن هؤلاء الضباط وعدلهم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل