#adsense

سر عفيف

حجم الخط

ولد عفيف في قرية لبنانية من عائلة متواضعة.
راودته، كأي طفل لبناني، أحلام كبرى.
اجتهد وتمكن من أن يصل الى وظيفة في الدولة.

راقب من حوله فوجد أن الفضيلة والاستقامة عملة الى اندحار وفي مجتمع مبني على زعامات تقليدية وإمارات طائفية ومحسوبيات، رأى عفيف أن حظوظه في تحقيق طموحاته قليلة فحاول أن يميز نفسه ويلعب ورقة الأخلاق والنزاهة والاستقامة..

مكنه مركزه من مراقبة وتجميع ملف عن فساد المجتمع وبخاصة في مراكز السلطة من سياسية وقضائية وعسكرية وأمنية ومالية واقتصادية ودينية..
وعوض أن يُحسب على مرجعية أو صاحب نفوذ لن يمكنه من تحقيق طموحاته الكبيرة جداً اجتهد في إظهار ذكائه وتفانيه في خدمة الوجود السوري في لبنان.

باختصار فتح على حسابه مع النبع وسوّق نفسه لدى جهة كانت تهدف في سيطرتها على لبنان الى الاستفادة من نقاط ضعف هذا البلد وضعف سياسييه الكثيرة، فكيف إذا حصل ذلك في زمن حرب سميت أهلية، دمرت الأخضر واليابس.

ولكي يتدرج عفيف نحو مزيد من السلطة أعطى أكثر وأكثر وقدم شهادات حسن السلوك ووظائف ذكاءه ومعلوماته في هذا السبيل، فهندس أكثر من ملف وقضية.

حلل لنفسه المحرمات وعمل ضد وطنه وشرف وظيفته بحجة أن فئة كبيرة وكبيرة جداً من السياسيين وأصحاب المراكز يلجون هذا الطريق. فأكل وشرب وباع واشترى ولكن "بذكاء". وحينما يوظف الذكاء والدهاء في خدمة الأهداف الشخصية يسمى ذلك ماكيافيلية.

خافه وخشيه أصحاب السلطة والمراكز أما عامة الناس والشعب فلم تحبه يوماً، وهذا لم يكن من ضمن أولوياته إذ أنه يؤمن أن الناس مع الواقف فكان يطلب دائماً مزيداً من القوة والسلطة لنفسه.

دارت الأيام على عفيف وسقط، فجن جنونه، صحيح أنه جنى كثيراً من المال والثروة المادية ولكن حلمه في السلطة انهار فعاد الى شعارات الفضيلة والاستقامة والأخلاق من أجل النيل من سواه وأخذ يستعمل أرشيفه ومعلوماته عن تورط هذا أو ذاك.

إنه عاجز عن استيعاب فكرة أنه لم يعد محط اهتمام وإعجاب وخوف.
لا يود أن ينسحب كما فعل آخرون ويقف جانباً بانتظار أن "تنصفه الأيام" أو أن يفعل النسيان فعله لدى الناس.
إنه، يمعن في الحراك والصراخ، يتكلم عن العدل الإلهي وظلم البشر..

لم يعد يفيده ذكاءه وغروره فأخذ يوجه رسائل الوعظ والابتزاز في كل الاتجاهات وهو العارف حقائق أمور ونقاط ضعف الآخرين. إنه غرق ويريد إغراق آخرين، سقط ويريد إسقاط أمثاله وهم كثر. الفارق أن معظم الآخرين طموحاتهم وارتكاباتهم "صغيرة" أما عفيف فطموحاته وارتكاباته كانت كبيرة والأخطر أنها ما زالت متمادية..
لم يجنِ أحد عليه بل إن ما فعله عفيف بعقله ويديه هو الذي جنى عليه وربما ساهم أيضاً دعاء كثر ممن ظلمهم وقهرهم وتعالى عليهم. وممن غض الطرف عن تصفياتهم الجسدية والمعنوية أو ساهم بها. (والمساهمة يجب أن تؤخذ بمفهوم السلب والايجاب).

هل يعني ذلك أن عفيف سيئ وغيره من أصحاب السلطة طاهرون؟ كلا.
هل يعني ذلك أن عفيف مرتكب وغيره من أصحاب السلطة منزهون؟ كلا.
هل يعني ذلك أن عفيف أساء استعمال السلطة وغيره أحسن؟ كلا.
هل يعني ذلك إني اتهم عفيف وأنسى بقية من تناوب على السلطة؟ كلا.

وربما لذلك يرى عفيف أنه متصالح مع ربه فقد يكون قهر وحجم هذه الفئة من الناس وقض مضاجعها لأنها غير جديرة بالاحترام أو الشفقة ولذلك أيضاً يرى عفيف أنه عندما رأى نفسه يسبح في بحر من الفساد وانعدام الأخلاق كان لا بد له أن يسعى لمزيد من السلطة حتى يتمكن يوماً ما من الإصلاح من فوق.. ولكي ينقذ يوماً ما عامة الناس الطيبين.

وهذا يعني أن عفيف أصيب بنوع من الميغالومانيا أي جنون العظمة وافترض فعلاً أنه أداة من أدوات الله على الأرض!!
وعليه أفهم اليوم إحباط عفيف وثورته وأفهم أنه بين إرضاء نزواته في الانتقام ونقمته على المجتمع، من جهة واستمراره عن قصد أو تحت الضغط، في خدمة أصدقائه القدامى من جهة أخرى، أن يقدم، ومستعد للمزيد في توجيه التحديات ورسائل التهديد والوعيد.

أليس من مخلص لعفيف ينصحه بأن الوقت عامل مهم يساعد في النسيان والمسامحة؟ فيلعب هذه الورقة، عل في ذلك ما يفيده أكثر من الإمعان في الغي والمكابرة، فينساه الناس، كما يمكن لعفيف أن يفيد لبنان وأجياله الطالعة بأن يكتب مذكراته "بشكل موضوعي" وهي حتماً مذكرات مفيدة وغنية وخطيرة ستظهر المرض اللبناني على حقيقته ونقاط الضعف من أجل مداواتها كما ستظهر دور الأشقاء والأصدقاء الغيارى على مساعدتنا، وفي هذا العمل ما قد يسهم أيضاً في فهم وربما تفهم أداء عفيف أو ليس في ذلك أيضاً ما يرضي شخصية الرجل!
ولكن من يضمن لعفيف ألا ينتحر في هذه الحال؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل