… ثم أتانا حديث الدحرجة، وفي ذلك قرب ونسب من مدوّنة سلوك مكتوبة بأفعال الجزم والحزم، والصد والرد، والكبت والمنع، والفرض وإخوانه، والتوتير وتعلية الصوت ودعوة الآخرين الى ممارسة هواية التبليط أينما كان ذلك متوافراً أو غير متوفر: إذا لم يعجبكم ما نقوله ونفعله فاذهبوا وبلّطوا حرج بيروت وحرج القتيل وحرج تابت والبحر الفاصل بيننا وبين قبرص إذا أمكن.
.. ثم بعده أتانا من أشار الى "منظومة سياسية وإعلامية وأمنية" يريد أن يصل معها الى "نتائج حاسمة".. وكل ذلك (أعزائي المشاهدين) نتاج قرار واضح ومُعلن لا يقيم أصحابه شأناً لأي معطى يناقض شعار المعركة الراهنة، حتى لو كان ذلك الشأن يتصل باتفاق الدوحة مثلاً أو بقمة بعبدا الثلاثية، أو بكل التفاهمات التي جرت وما كان من الضروري أن نعلم عنها شيئاً سوى عنوانها!
إنسى الدولة وكيانها ومؤسساتها الرسمية والقضائية والأمنية والعسكرية، هذه صارت فعلاً ماضياً ناقصاً تماماً بتاتاً في عُرف أصحاب ذلك القرار، ثم إنسى بعد ذلك أي تأثير محتمل للثقل الذي سيوضع على العربة الواقفة عند حافة الوادي حيث توجد، على ما يُقال، أفران التشظية والتفتيت المحتاجة للحطب كي تشتعل وتستعر وتأخذ في طريقها كل شيء بما في ذلك الحطابّين أنفسهم.
لا يهم المناخ القائم سياسياً وطائفياً ومذهبياً. ولا المناخ الإقليمي والدولي المسيطر فوقنا وفوق منطقتنا بالإجمال، بل لا يبدو أن شيئاً ما يمكن أن يُلحظ عند أصحاب ذلك القرار. المهم أن نصل الى المرتجى والباقي تفاصيل!
والحاصل هو أن أي مقاربة معقولة هادئة ومنطقية لما يجري هذه الأيام لا يمكن أن تصل الى أي مكان طبيعي أو سوي. فالشطط في الموقف يُفترض أن لا يكون مقبولاً إذا كان سيؤدي الى نتيجة عكسية. والجموح في إعلان ذلك الموقف يُفترض أن لا يكون مسموحاً به إذا كان سيؤدي منطقياً الى نتائج كارثية عامة وشاملة، بعكس ما يقصد صاحب الجموح إيّاه.. والرقص حول النار على طريقة الهنود الحمر قد لا يؤدي الى نتيجة مختلفة عن تلك التي وصل إليها الراقصون الأوائل والأفاضل هؤلاء! ثم بعد ذلك إذا كان مصير بلدنا بأمه وأبيه وأهله وناسه خفيفاً الى هذا الحد، فلأجل ماذا إذن هناك مقاومة؟!
لم يعد ما يحصل يثير الفرائض بقدر ما يثير الأسى والحزن والغضب، وبقدر ما يثير أسئلة عن معنى أداء يقارب قضايا مصيرية قومية أموية (من أمّة) شاملة وعريضة، فيما يتسلى فعلياً وعملياً بدكّ السيبة التي يقف عليها بيديه.. وحده من دون شريك له؟!