"لن تكون كلمة القوات اللبنانية اليوم كلمة سياسية، إحتراما لمذبح مقدس و لكنيسة مارونية جامعة و لحضور كريم أتى ليصلي عن نفس شهداء إرتقوا من مرتبة المحازبين إلى مصاف الوطن و وجدان الشعب و حاضرة التاريخ.
لقاؤنا اليوم عهد وفاء. وقفتنا اليوم وقفة تأمل أمام حبوب حنطة كريمة دفنت على مساحة لبنان و لم تزهر بعد سنابل حرية و حقول عدالة، و لم تمتلئ منها بعد أهراء الإستقرار و الإزدهار.
بشير الجميل، رينيه معوض، داني شمعون، رفيق الحريري، باسل فليحان، سمير قصير، جبران تويني، جورج حاوي، بيار الجميل، وليد عيدو، أنطوان غانم. رؤساء كانوا و نوابا و رجال قلم و فكر. و لكن السياسة لم تكن بالنسبة إليهم مطية للزعامة، فأحبوا لبنان حتى الإستشهاد.
أتذكرون أيضا جوزف أبو عاصي و سليم معيكي و غسان أبو الياس و سمير وديع و طوني نصر و فادي صفير و غيرهم الآلاف الآلاف؟ كانوا رفاقكم في الحي، في المدرسة، في الجامعة، في العمل…
هم أيضا أحبوا لبنان فبذلوا حياتهم من أجله، من أجلنا. لم يخافوا مع الخائفين، لم يترددوا مع المترددين، لم يهربوا مع الهاربين، بل شهدوا للحق، بجرأة و تواضع و بساطة الأبطال.
مات شهداؤنا كي يعيش المسيحي في لبنان بكرامته، دون منة من أحد.
سقطوا، لا بل ارتفعوا، كي يعيش المسلم في لبنان بكرامته، دون منة من أحد.
استشهدوا كي يعيش لبنان السيادة و الحرية و العدالة، مرفوع الرأس بين الأمم، دون منة من أحد.
من كل لبنان هم، لكل لبنان هم.
شهداؤنا سراجنا، و السراج لا يوضع تحت مكيال النكران و تشويه الحقائق و تزوير التاريخ. فنكران الشهادة هو الخطوة الأولى نحو إلغاء الهوية و الخطوة ما قبل الأخيرة نحو إلغاء الذات.
شهداؤنا سراجنا و السراج يوضع على المنارة لينير أجيالا لبنانية تبحث عن ذاتها، عن معنى لمعاناتها و لتضحيات من سبقها، فتتجذر في أرض أجدادها و تزهر وطنا.
قتل الأجساد يؤلمنا، قتل أرواح الشهداء يخيفنا. فسيدنا، مسيحنا، حذرنا ممن يقتل الروح، لأن الجسد فان، أما الروح فخالدة هي. روح شهدائنا من روح الوطن و كلاهما أمانة في أعناقنا.
لا يريد شهداؤنا أن نبني لهم مقبرة، بل وطنا. فالمقبرة وعاء للموت، داخلها رفات و خارجها عشب بري كالنسيان. أما الوطن فقلبه إنسان ينبض بالحياة المتجددة، روحه عدالة و إخاء، وجهه حضارة و إشعاع.
عهدنا، مسؤوليتنا، رسالتنا، بناء هذا الوطن، ليبقى سراج الشهادة على منارة لبنان، يضيء سهول تجدد و عطاء، في شرق يتخبط بين الظلم و الظلام.
لا عدالة لأحياء يظلم شهداؤهم، و لبنان وطن العدالة و الحياة و الوفاء.
أطال الله بعمركم،
المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار،
ليحيا لبنان."