#adsense

ما لم يقله “العرّاب”

حجم الخط

حتى لو بدا للبعض ان تخصيص موقف بعينه من "الحملة الشعواء" التي شنّت على الرئيس سعد الحريري ينطوي على تمييز وسط الدفق المتصاعد للردود على هذه الحملة، فان ذلك لا يحول دون تسليط مقاربة خاصة على موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط من هذا التطور.

الامر لا يتصل بالموقف الدفاعي للزعيم الاشتراكي عن الحريري، وهو موقف غير مفاجئ اطلاقا، وانما بما لامسه جنبلاط وحده في مسألة بدت كأنها تمسه هو ايضا في مفاعيلها وأبعادها غير المباشرة وهي "معاقبة" مَن يقدم على "مراجعة سياسية".

لم يقلها جنبلاط بهذا المنحى المباشر، وانما قالها بوضوح في دعوته سائر القوى الاخرى الى التعامل المنطقي مع هذا النوع من المراجعات. بذلك يضع جنبلاط، من غير ان يقولها ايضا، الصراع المحتدم على "مراجعة" الحريري في قضية اسقاط الاتهام السياسي لسوريا في خانة تشبه تماما ما اثارته "مراجعة" جنبلاط في آب 2009 لدى خروجه من صفوف الاكثرية. حتى ان كثراً يعتبرون ان جنبلاط كان "عراب" المراجعة الحريرية الدراماتيكية اخيرا، ولو ايحاء، ولو انها لا تزال تختلف جوهريا عن اعادة التموضع الجنبلاطي، باعتبار ان رئيس الحكومة لا يزال "حتى إشعار آخر" على زعامة قوى 14 آذار، ويتعين مراقبة حركته ورصد ردة فعله على تفاعلات الحلفاء وانقضاضات الخصوم قبل التسرع في اطلاق الاحكام المسبقة عن المدى الذي ستبلغه مراجعته في شأن سوريا وقضية "شهود الزور".

النقطة المثيرة للاهتمام في دفاع جنبلاط عن الحريري، تتجاوز المنحى المعتدل و"التهدوي" في موقفه الى ما يبدو رفضا جنبلاطيا لجنوح بعض حلفاء سوريا الى تحكيم منطق الثأر والانقضاض الانقلابي على كل من يظهر قابلية للتكيف مع متغيرات اقليمية وداخلية وتدفيعه ثمن حقبة بكاملها من الخسائر التي لحقت بهم عبر الاستقواء بميزان قوى جديد يراد له قلب الطاولة رأسا على عقب. ومعنى ذلك ان بعض هؤلاء الحلفاء يذهب الى نفخ حجمه الى حد مساواة نفسه بسوريا نفسها.

وفي منطق "المراجعة السياسية" هذا، فان ما يمكن ان يبرر التنازل هو ان اي قوة محلية داخلية مهما عظم شأنها وسطوتها تظل قاصرة عن فرض ادبياتها وسياساتها وحساباتها امام ميزان قوى اقليمي متقلب يوجب المرونة والتكيف مع هذه المتغيرات. هذا المنطق نفسه قاد جنبلاط بعد احداث 7 ايار الى مراجعته الدراماتيكية التي كلفته ما كلفته قبل ان يرسو على برّ فتح طريق دمشق امامه.

ومع ان ثمة تمايزا لا يزال واسعا بين الحريري وجنبلاط في استشراف المدى او الخطوط الحمر التي تلزم الحريري نفسه ان يضعها في نهاية المطاف، ولعله وضعها سلفا، فان جنبلاط يبدو مدركا خطورة الانفلات "الانتقامي" الذي تنضح به قابلية الاقتصاص لدى بعض حلفاء دمشق على خلفية شهوة انقلابية مفتوحة على مجمل النظام السياسي والتركيبة القائمة. وهو امر يعني بكل خطورة ان محاولة دفع الحريري الى الخروج من جلده لن تفضي سوى الى احتمالين كلاهما كارثي: اما دفع الحريري الى قلب الطاولة بنفسه ووضع حد حاسم لهذا المنحى لانه لا يحتمل ضغطا يراد منه تفجير زعامته على طائفته والانقلاب على حقه وحقوق الآخرين في العدالة. واما تفجير سياسي وامني هذه المرة ان مضت محاولة اسقاط المحكمة من الداخل لاستحالة اسقاطها دوليا. وحتى لو لم يقلها جنبلاط، فان الكرة في رد المشروع الانقلابي – الانتقامي عادت الى مكانها الاصلي، في المرمى الدمشقي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل