الشتيمة المنظمة" صنو "الجريمة المنظمة" وخط الدفاع الأول عنها وتجدر مواجهتها
لا يسع الاستقلاليين التهرب من "المعركة الأخلاقية" المفروضة
ما هو الموقف الصائب من موقع المشروع الإستقلاليّ اللبنانيّ بوجه أصناف الإفتراء والتخوين والتحريض والبذاءة والخسّة التي ما فتئت تتحفنا بها "رموز" مناهضة لثورة الأرز وبشكل متعاظم منذ خمس سنوات إلى اليوم؟
من جهة، لا يسع روّاد المشروع الإستقلاليّ والناشطين فيه إلا التأكيد على ضرورة عدم الإنزلاق إلى هذا المستوى. ويسوّغ لذلك بمقولات من قبيل ضرورة "مزاوجة إنجازَي التحرير والإستقلال" أو مزاوجة الإستقلال بالإستقرار أو ضرورة عدم الوقوع في الفتنة، وكل ذلك ينبع طبعاً من الحرص على أن يكون "النزوع إلى الدولة" مصدر شرعيّة المشروع الإستقلاليّ في مواجهة نزعات الفوضى والعنف والهيمنة الفئوية.
لكن من جهة ثانية، لا يمكن التعامل مع عنف "بروباغندا البذاءة" الموجّهة ضدّ أكثر من نصف اللبنانيين بمعزل عن احتكار العنف اللاشرعيّ من قبل تنظيم بعينه. وبالتالي لا يمكن لمقولة "عدم الإنزلاق إلى هذا المستوى" أن تكون كافية لوحدها، وإن كانت في أساسها مقولة صائبة. ففي نهاية الأمر، ما تقوم به "بروباغندا البذاءة" يتجاوز فعل التحريض نفسه إلى ما هو أخطر: ليس فقط تحريض النصف الأصغر من اللبنانيين على نصفهم الآخر بل كذلك محاولة إعفاء النصف الأصغر من جميع القيود الأخلاقية التي تحتجز في العادة نزواتنا الشريرة والتدميرية الدفينة.
لأجل ذلك، فإذا كان عدم الإنزلاق إلى مستنقع "الشتيمة المنظمة" هو أمر مطلوب، وأكثر من مطلوب، فإنّ "اللامبالاة" لا تفي بالغرض أبداً، كما أنّ "النضال السياسيّ" وحده، بمعناه البحت، المتّصل بإدارة الخلاف والأزمة وبتسيير مؤسسات الدولة وبتأمين قنوات الإستقرار والتهدئة لا يكفي هو الآخر.
بوجه "الشتيمة المنظّمة" لا بدّ للمشروع الإستقلاليّ من أن يكون له بعده النضاليّ الأخلاقيّ الأيديولوجيّ، خصوصاً أنّ "الشتيمة المنظّمة" ما وجدت منذ سنوات في هذا البلد إلا للتحريض على "الجريمة المنظّمة" أوّلاً، ثم للتحريض في وجه المحكمة الدوليّة التي شكّلت للكشف عن هذه الجريمة المنظّمة وإجلاء الحقيقة وإحقاق العدل، وكل ذلك في الأصل بهدف وقف هذه الجريمة المنظّمة.
وما هو مثير للأسى حقاً أنّ أزمة الأخلاق والقيم تزيد استفحالاً اليوم عنها في عزّ أيّام الحرب الأهلية ومرحلة ما بعد الحرب، ذلك أنّ "نظرية المؤامرة" الرائجة في معسكر المناهضين لثورة الأرز تلعب دور إعفاء من يؤمن بها ضميره الأخلاقيّ. فـ"نظريّة المؤامرة" سبق لها أن خوّنت كل شهداء ثورة الأرز، ثم خوّنت الشعب المُطالب بالحقيقة، ثم خوّنت التحقيق الدوليّ فالمحكمة الدوليّة في سعيهما لأجل الحقيقة والعدالة، ثم عرضت روايتها لما جرى، وخيّرت الأنام بين قبول هذه الرواية وبين التخوين.
لأجل ذلك كلّه فإنّ لبنان بحاجة إلى أن يكون للمشروع الإستقلاليّ نضاله الأخلاقيّ. فليس التناقض قائماً فقط بين "ثقافة حياة" و"ثقافة موت". التناقض هو بالأحرى بين "ثقافة الحياة والموت" وبين "اللاثقافة". فمن جهة، ثقافة تعلّم وجوب الحرص على الحياة والتمتّع بها بكافة مستوياتها وتعلّم كذلك وجوب احترام الموت والوفاء للذين رحلوا وبالأخص أولئك الذين ضحّوا وماتوا غدراً وغيلة. ومن جهة ثانية "لاثقافة" لا تحرص على الحياة، لأنّ الأفراد لديها مجرّد "أبدان" يمكن قذفهم وإسالة دمائهم في أيّ اتجاه لأجل حاجة ظرفيّة عارضة، كما لا تحترم وقار الموت لأنّها بدلاً من ذلك تدمن على الشماتة بالموتى وعلى رأسهم الشهداء، ذلك أنّ حال "بروباغندا البذاءة" كحال كاتب سيناريو سيئ للغاية: فهذا الكاتب لم يوقف تخوينه للشهداء من بعض تضحيتهم، ومع ذلك يتّهم العدو بقتلهم، وبدلاً من أن يعتبر قتلهم على يد العدوّ جريمة ينبغي معاقبتها، وبدلاً من أن يعتبر مقتلهم تأكيداً على أنّهم مدرسة في الوطنيّة فإنّه يقوم بالعكس، وهكذا ينتهي كل منطق الممانعة إلى نظرية من قبيل: العدوّ قتلهم لأنّي كنت أملك الحقّ في قتلهم.
لأجل ذلك، فإنّ "الشتيمة المنظّمة" و"الجريمة المنظّمة" يتفرّعان عن "نظرية المؤامرة"، كما أنّ الشتيمة المنظّمة هي صنو الجريمة المنظّمة وخطّ الدفاع الأوّل عنها، وخطّ الإستنزاف الأوّل للأخلاق في هذا البلد.