#adsense

استهداف الاستقرار واستهداف النظام

حجم الخط

ما كانت الدولة اللبنانية ولا كان النظام اللبناني، وفي العقود الأربعة الأخيرة، بمنأى عن النقد العادل والظالم، بل وعن الثورات والارتكابات غير العادلة على الإطلاق! بيد أن ذلك عندما كان يجري، فمن جانب أناسٍ من خارج النظام أو على هامشه الأقصى· أمّا ما سمعناه في يومي الأحد والثلاثاء، فقد أتى من رجلين كان أحدهما مساعداً لمدير مخابرات الجيش، ثم مديراً للأمن العام، وكان الآخر قائداً للجيش، وهو الآن رئيس الكتلة النيابية المسيحية الأكبر في البرلمان· فلنستعرض وقائع الثوران وأسبابه لدى الرجلين، ثم لننظر هل تلك الاتهامات محقّة، وهل تستدعي تلك التهديدات وذلك الإسفاف الذي انتهت به؟!

أما اللواء جميل السيّد فسبب شكواه انه مظلوم هو ورفاقه من قادة الأجهزة الأمنية لأنهم سجنوا قرابة الأربع سنوات بدون داع، فالاتهامات التي وُجهت إليهم كانت مزورة، ولذلك فهو يطالب بمحاكمة <شهود الزور> لإنصافه منهم· وقد قال ذلك من قبل على اثر إطلاق سراحه· لكن مطلبه هذه المرة، بل وفي المرات الماضية، بدأ وتخللته وانتهت به وإليه وجوه إسفاف تستدعي النظر والتأمل في سلامة العقل أو على الاقل سلامة المنطق· فهو قرّر انه سيأخذ حقه بيده، وليس من الذين شهدوا عليه زوراً بحسب رأيه، بل من القضاة وسائر أجهزة الدولة· ثم إنه يريد إلغاء المحكمة الدولية من اساسها، ويريد إلغاء السنوات الخمس السابقة، بل كل العهد السابق، بما في ذلك نقل ضريح الرئيس رفيق الحريري من وسط البلد! وباختصار: يريد الرجل تحطيم النظام اللبناني من طريق فرجاته المنسقة واحدة بعد أخرى بالتلفزيون، والتي تتلوها أوركسترا إعلامية تستمر اياماً وتتردد فيها تعبيرات <الشاهد الملك>، والإصلاحي الراديكالي للنظام الفاسد، ورموزه الشريرة··· إلخ·

وإذا كانت هياجات اللواء السيّد اساسها واقعة توقيفه على ذمة التحقيق لمدة طويلة، فان أحداً لا يستطيع تحديد سبب واضح للثوران الدائم للجنرال عون· انه ثائر منذ العام 1988 حين خاض حرب الالغاء والتحرير وخسرهما· وهو لا يهدأ في العادة أكثر من أسبوعين ثم يُقدم على خوض معركة جديدة ضد خصوم لا يريدون خوض معارك معه· بمعنى انه يُقرّر الحرب ويخوضها لوحده· وآخر معاركه أو هروبه عندما جرى توقيف أحد محازبيه ومساعديه بتهمة التعامل مع إسرائيل· يومها خرج الرجل هائجاً وطالب باستقالة أربعة وزراء، وهاجم رئيس الجمهورية، واتهم قوات الأمن الداخلي وقسم المعلومات فيها بتجاوزات· والطريف انه عندما دافعت قوات الامن الداخلي عن نفسها، سارع وزير الداخلية المتهم من عون بالقصور والتقصير إلى زيارة عون والاعتذار منه، وقال: إنه اتخذ تدابير مسلكية بحق قائد قوات الامن الداخلي، واخير نهفات الجنرال الخطيرة يوم امس انضمامه الى اللواء السيد في الهجوم على القضاء وقوات الأمن، ومطالبة رئيس مجلس النواب بتحويلهم الى لجنة بالمجلس النيابي للتحقيق معهم! واضاف الجنرال الثائر الى ذلك مطالبة الناس بعصيان قوى الامن، وعدم اطاعة استدعاءات القضاء، وكلُّ ذلك لأن هؤلاء قبضوا على فايز كرم واتهموا وطالبوا بملاحقة آخرين هاربين، وقد اضاف لذلك امس انهم مستحقون للعصيان والتحقيق لانهم ظلموا اللواء السيد ورفاقه! والمعروف ان وزراء الجنرال عون يسلكون مسلكه داخل الحكومة، فوزير الاتصالات يحتجز مداخيل وزارته ولا يسلّمها لوزارة المالية، والآخرون لا ينفذون قرارات مجلس الوزراء التي يكونون هم انفسهم قد طالبوا بها!

ما معنى هذا كلّه في حكومة <للوحدة الوطنية>؟! معناه أن النظام ينقلب على نفسه· فالخلافات سياسية، لكن المطلوب من جانب الجنرالين ووسائل إعلامهما الحزبية تفكيك النظام واسقاطه بحجة إلغاء ما حصل في السنوات الخمس الماضية!

هل يدعو ذلك للرهبة والخوف؟ أعترف أنني لم أشعر بالخوف، لكنني شعرتُ اننا أمام محاولة لتفكيك ما بقي من الدولة والنظام بطرائق التهديد، وان لم تنفع فالاستيلاء على المرافق بالقوة من اجل التفكيك ايضاً! أما ماذا يستفيدُ هؤلاء من ذلك؟ يستفيدون النجاة بجلودهم مما ارتكبوا، وتقديم خدمات لجهات يعتقدون انها معنية بالخلاص من لبنان القديم، الذي لم تنهه كل الحروب السابقة على ارضه ومواطنيه·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل