لم يأت نداء قوى 14 آذار بجديد عندما أعلن عن وجود مشروع انقلابي يقوده "حزب الله" وحلفاء سوريا في لبنان. فقوى 8 آذار أعلنت نواياها بشكل واضح وعلى لسان أكثر من مسؤول فيها، إضافة طبعا الى الأبواق السورية، وأبرزهم كان النائب محمد رعد الذي كرر وصف الحالة التي يعيشها لبنان، منذ "ثورة الأرز" وانسحاب الجيش السوري من لبنان في ربيع الـ2005، بالانقلابية في تعبير واضح عن الرغبة لدى قوى 8 آذار بالعودة بلبنان الى ما قبل 14 آذار 2005، وبما يعني تحديدا العودة الى ظل الوصاية السورية على لبنان.
وهذا الموقف لقوى 8 آذار ليس بجديد على الإطلاق. إنه الموقف نفسه الذي أعلنته بالفم الملآن من ساحة رياض الصلح في 8 آذار 2005، يوم ظن الأمين العام لـ"حزب الله" أن لديه ما يكفي من الجمهور ليقول للمصورين "اعملوا زوم آوت" لتصوير حشوده المطالبة ببقاء الجيش السوري في لبنان.
لكن الزلزال الذي أحدثه اللبنانيون بالرد المباشر على نصرالله تحديدا وكل الأبواق المطالبة بإبقاء الوصاية السورية في 14 آذار 2005، جعل حزب ولاية الفقيه يناور لاستيعاب المد الجماهيري فيتراجع ظاهريا عن مشروعه في انتظار فرصة أفضل.
هكذا وافق "حزب الله" على مضض على طاولة الحوار في آذار 2006 وبسرعة قياسية على المحكمة الدولية، كما وافق مرغما في آب 2006 على القرار 1701 وإرسال الجيش الى الجنوب، ووافق على اتفاق الدوحة في أيار 2008 على مبدأ عدم استعمال السلاح في الداخل وضرب المؤسسات بعدما فشل في تحقيق انقلابه الميداني بسبب مقاومة أهل الجبل.
لكن يبدو أن "حزب الله" بات يعتبر أن الفرصة سانحة اليوم للعودة الى تنفيذ انقلابه الشامل على مؤسسات الدولة اللبنانية وعلى جميع اللبنانيين، فأعد العدة وأعلن نواياه، وأطلق أبواقه المباشرة عبر لسان محمد رعد ومسؤولي "حزب الله" أو الوكيلة كالنائب ميشال عون، ولم يتردد في تجربة ضرب أسس الدولة من خلال جميل السيّد.
لكن ما لم يتنبه له "حزب الله" تكرارا بعد ما حصل في الـ2005، أن اللبنانيين لم يقرروا يوما الاستسلام. ولم يهابوا حشوده في 8 آذار 2005 ولا استهزاءه بهم وشعاره "زوم آوت"، فردوا له الصاعين صاعين ومليونا ومليونين في 14 آذار 2005، فكانت "ثورة الأرز" وانتفاضة الاستقلال الثاني.
ومشروع الانقلاب الذي لم يكتب له النجاح في الـ2005، ولا في 23 كانون الثاني 2007، ولا في 7 أيار 2008، لن يكتب له النجاح حتما وبإذن الله لا في الـ2010 ولا الـ2011 ولا في أي يوم.
فاللبنانيون قرروا المواجهة. لا شيء يخيفهم. قرار الدفاع عن لبنان يصيغته الديموقراطية والحضارية وثقافة الحياة والتنوع والتعدد متخذ بكل عزم وتصميم، ومجبول بدماء شهداء "ثورة الأرز" وكل الشهداء الذين لن يستكينوا قبل إظهار الحقيقة وإحقاق العدالة، مهما علا زعيق قوى 8 آذار، ومهما بلغ تهويلهم وتهديدهم.
صحيح أن مشروع الانقلاب قائم، لكن قرار المواجهة اتخذ ولا شيء يمكن أن يقف في وجه إرادة اللبنانيين بالحفاظ على استقلالهم وحريتهم وسيادتهم، وأيضا وأيضا بإظهار الحقيقة وإحقاق العدالة عبر المحكمة الدولية.
قرار مواجهة المشروع الانقلابي وحده يبقي لبنان، ولبنان لن يموت لأننا هنا، وهنا سنبقى الى أبد الابدين.