هكذا بالفم الملآن (بماذا؟) أطلق الجنرال "أبو طُمّيشه" آخر سهامه باتجاه القانون والدستور وكيان الدولة!
هكذا وعلى طريقته المعهودة والمعروفة الاندفاعية الآخذة نَفَسها من غريزة لا ترى إلاّ حال صاحبها وأناه ومبتغاه وجموحه، يريد تعميم ذلك النهج الانقلابي الذي سبق واعتمده عندما أُجلس في ذلك الموقع الدستوري في قصر بعبدا أواخر ثمانينات القرن الماضي، فلم يفعل إلا تكسير كل ما كان قائماً من بقايا النظام والشرعية والقصر وأعمدته.
هدفه الدائم، المضمر والمعلن، الآني والسابق واللاحق (وإلى يوم القيامة) هو مُناغاة الفوضى وتوسلها واعتمادها سبيلاً وحيداً لمحاولة إطفاء هوسه بالكرسي الأول… يريد "قلب الصفحة لأن الدولة مش ماشية"، وهو من هو، ذاك الذي جعلنا نشهد بالدم واللحم الحيّ على "إنجازاته" في إدارة الدولة ومؤسساتها وجيشها وأمنها وماليتها وأملاكها عندما رُكّب عليها في ليل كالح فأحالها الى ركام، وأحال معها الدنيا الى ليل تام مُعمماً السواد ومشتقات الفحم من خلال ثلاثة حروب مدمّرة شنّها في غضون سنتين أو أقل!
… يتسلل الهارب من ساحات الوغى تاركاً خلفه حتى من هم من صلبه ولحمه ودمه، يتسلل اليوم الى لحظة سوداء قاتمة يعلو فيها التنظير الخطير للانقلاب على الشرعية وأجهزتها، للنفخ في جمر فتنة نائمة علّها تستيقظ أمام ناظريه وتدغدغ طموحاته باحتمالات تحققها. ولا يهم في عُرفه إن تم ذلك من خلال الدعس بالأرض كل أرواح وأرزاق وأحوال الناس، وإن عاد غربان البين للنعيق فوق بقايا السلطة والنظام والقانون والهيبة المفترضة لأدوات السهر عليها وتنفيذها ومنع التفلّت منها.
ليس حالة استثنائية إلا في جغرافيتها الجنرال "أبو خراب". لا ينتبه الى أن كل شيء (حرفياً) جُرّب واعتمد في لبنان إلا ذلك المنحى الانقلابي الذي يعني في ما يعنيه نفي أي أداء مؤسساتي ديموقراطي ملازم ومواز للتركيبة الطوائفية المتجذرة في بلدنا.. لا ينتبه الى بديهيات واضحات ملازمة وموازية لكينونة النظام وكيان الجمهورية. من دونها لا وجود للإثنين ولا قيامة لهما إن دُمرا.. بديهيات لم تقدر على طمسها حروب أهلية وإقليمية مهولة، ولم تقدر على طمسها كل الأهوال الأمنية والسياسية والإصلاحية التي شهدناها منذ أربعة عقود.. لا ينتبه الى أنه يلعب كالهواة في محل لا يحتمل الشطط الانقلابي حتى من المحترفين، وأنه لو وضع الخريطة أمامه لاكتشف فعلياً مقدار قلّة الاحتراف وكثرة الأخطاء والخطايا في نهجه، ولاكتشف أنه يسوّق بضاعته في المكان الغلط وفي اللحظة الغلط، وأن بضاعته تلك فاسدة في الأساس ولا يشتريها أحد، حتى من يضحك له علناً وعليه سراً!
لم يمر صاحبنا الجنرال "أبو خراب" على مكان إلا وأحاله الى رماد. ولم يمر على موقع شرعي إلا وجعله صنواً للشارع. ولم يمر على موقع دستوري إلا وشرشحه.. حتى وصلت معه القصة حالياً الى الدخول على حالة هيجان فالتة من دون ضوابط، واضعاً مساهماته في عهدتها وخدمتها، من دون أن ينتبه الى أن تلك "المساهمات" تتآكل يوماً بعد يوم لأن الناس بدأت تراه أكثر فأكثر كما هو، فيما هو لا يرى إلا أناه المريضة وليس أكثر!