#adsense

مراوحة لبنانية

حجم الخط

تبدو حكومة «الوحدة الوطنية» اللبنانية أشبه بجرح قرر «الأطباء» إغلاقه على «زغل» وخيطه قبل أن يشفى، ليوفروا على المريض بعض العذابات، ولتقديرهم بأن وقوفه على قدميه قد يعزز مناعته، لكن الالتهابات ظلت كما هو واضح تعتمل بداخله، ويزداد ورمه يوماً بعد يوم، وقد يأتي يوم قريب يضطرون معه الى إعادة فتحه لمعالجة السموم المتراكمة ومنعها من الانتشار الى باقي الجسم وتعريض حياة المريض للخطر. وفي انتظار ذلك تبقى المعالجة «من خارج» قائمة على مسكنات الألم ومهدئات الأعصاب.

فالقمة الثلاثية السعودية – السورية – اللبنانية التي عقدت في بيروت أخيراً جاءت في خضم تصعيد متدرج بادر إليه «حزب الله» في شكل مؤتمرات صحافية متلاحقة عقدها أمينه العام، وأعاد الى القلوب والأذهان ذكرى التعبئة التي قادت الى أيار 2007 وأشعلت حريقاً كاد يهدد دولاً أخرى في المنطقة لولا التدخلات الإقليمية التي أخمدته ولم تطفئ جذوته. وكانت النتيجة الرئيسة للقمة الاتفاق على التهدئة بانتظار اتضاح وجهة التطورات الإقليمية، سواء ما تعلق منها بعملية السلام مع إسرائيل أو بالملفات الإيرانية بما فيها العراق.

وعنى هذا بالنسبة الى مختلف الأطراف الحفاظ على الوضع القائم، أي إبقاء التشكيلة الحكومية وتوازن القوى الذي أفرزه اتفاق الدوحة، وإدارة الخلافات تحت سقفهما.

ولأن الالتزام السوري والسعودي كان حازماً بعدم السماح بانفلات الوضع اللبناني، وجد أطراف مثل «حزب الله» وحليفه النائب ميشال عون وتنويعات أخرى في قوى «8 آذار»، في تعطيل الحكومة من الداخل مخرجاً لتعذر قدرتهم على إسقاطها أو حتى الانسحاب منها واعتبارها «غير شرعية»، مثلما فعلوا مع حكومة فؤاد السنيورة. فعمدوا الى إثارة أزمات متعاقبة، بعضها خاص بكل منهم وبعضها الآخر مشترك، لوضع رئيس الحكومة وحلفائه تحت ضغط متواصل، لعل ذلك يثمر في جعله يستجيب لمطالبهم، وخصوصاً التنصل العلني من المحكمة الدولية ونتائج تحقيقاتها، طالما انه ليس بمقدوره إلغاؤها.

والسبب في عدم قدرة هؤلاء على إسقاط الحكومة ليس فقط تمسك دمشق بتفاهمها مع الرياض، بل أيضاً لعدم وجود بديل سني فعلي لسعد الحريري. ذلك أن أياً من الشخصيات السنية القريبة من المعارضة والمطروحة أسماؤها لترؤس الحكومة لا تتمتع بالقاعدة الشعبية السنية الكافية لتحمل تبعات قرار مثل إلغاء المحكمة، لا سيما إذا كان هذا هو الهدف الوحيد من الإتيان بها.

وينعكس هذا التخبط بين الرغبات والإمكانات في كلام عون الذي يواصل حملته الشعواء على الدولة والمؤسسات، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن وزراءه باقون ولن ينسحبوا من الحكومة بل سيخوضون معركته من داخلها وفي المجلس النيابي.

وحال المراوحة اللبنانية حيث يسمح للفرقاء باللعب داخل دائرة محددة لا يمكنهم الخروج منها، شبيهة بالحال العراقية، حيث ترتسم بوادر تفاهم أميركي – إيراني على توزيع للصلاحيات والأدوار بين نوري المالكي واياد علاوي، لكن الخلاف لا يزال قائماً على التفاصيل. ويعني ذلك أن هناك مجالاً للمناورات والضغوط المتبادلة التي لا تقتل الناطور ولا تفني العنب. الفرق الوحيد أن للبنان جبهة مفتوحة مع إسرائيل يمكن في أي وقت استخدامها لقلب الأوراق.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل