"والله" معيب هذا الصمت المريب لرؤوس السلطة اللبنانية، منذ الأحد الماضي ولبنان دولة وشعباً ومؤسسات تنتهك حُرمته من "شبه" ديكتاتوريْن يستحقّ كلّ واحد منهما محاكمة علنيّة، ومع هذا نصّبا نفسيهما خصماً وحكماً، ومنذ الأحد الماضي واللبنانيون يترقبون ويتساءلون: "متى يخرج حامي الدستور عن صمته ليضع حداً لهذه الاستباحة لدستور أقسم أيماناً مغلّظة على مرأى ومسمع من العالم أجمع على حمايته"؟ هل يحتاج حماية الدستور والشعب اللبناني من كلّ أرعن أو معتوه إلى كل هذا الخجل في التعليق عن تهديد رئيس حكومة والقضاء برمّته وقوى الأمن الداخلي ومؤسسات الدولة اللبنانية بما فيها فخامته ورئاسته وعهده الذي شتم على الهواء مرات عدّة.
ليس المطلوب من رئيس البلاد أن ينزل إلى مستوى السجال الداخلي أو الردّ على ضابط سابق لم يحظَ بعد بحكم براءة، أو نائب "معقّد نفسياً" يطلب من المواطنين الاعتداء على الدولة، ولكن كنّا ننتظر من فخامته ردّاً أكثر صرامة في حماية السلم الاجتماعي وأمن المواطن النفسي والاجتماعي والأخلاقي من عصفورية "زعران ومجانين" يعتلون المنابر ويعتدون على الدولة ومؤسساتها وشعبها، والدولة ورأسها لم يسلما من هذه العصفورية إلا أنها "خائفة" و"ناخّة" وضعيفة بل مستضعفة أيضاً!!
في المجتمعات البشرية القديمة كان الموت والنفي عقاباً لمن يمس مصالح المجتمعات أسراً كانت أو قبيلة، وفي أثينا كان عقاب الخيانة الموت وتجريد الخائن من ثروته ومصادرتها كما أن العقوبة لم تكن شخصية بل تمتد إلى جميع أفراد أسرة الجاني الذين يوصمون بالخزي والعار على ما اقترفه الجاني، وفي العصر الروماني كان يطلق على جرائم أمن الدولة: جرائم المساس بالعظمة.
وكان يترتب على ارتكاب الجرائم الماسة بأمن الدولة فقدان صفة المواطن الروماني.. أي فقدان الجنسية، ومصادرة أموال الجاني، وكذلك عرفت عقوبة الإعدام كجزاء على ارتكاب جريمة الخيانة، وكانت المحاكم الخاصة تختص بالنظر في الجرائم التي تقع على أمن الدولة، ولم يكن للمتهمين الحق في الدفاع عن أنفسهم ودحر الاتهامات الموجهة إليهم.
وتقسم معظم التشريعات الحديثة جرائم أمن الدولة ضمن طائفتين: الأولى جرائم أمن الدولة الخارجي، والثانية جرائم امن الدولة الداخلي، ومنذ الاحد الماضي واللبنانيون يرون رأي العين ويسمعون ملء آذانهم جرائم النيل من هيبة الدولة والتحريض على مؤسساتها، تشبه الحملة على قوى الأمن الداخلي اليوم الهجمة التي شنت منذ السبعينات على الجيش اللبناني والتشكيك فيه واتهامه بأنه منحاز وليس جيشاً وطنياً، فكان أن دفع اللبنانيون ثمن إضعاف جيشهم أن توالى على التحكم في رقابهم "أراذل الصبية" سواءً بـ "شحاطة" أو "جزمة"، وفي وقت تناط بالجيش مهام كثيرة يسعى كثيرون لإرباك الأمن في الساحة الداخلية وكلّ لدوافعه الخاصة، ولكن أغرب تحريض على الدولة هو الاستماتة من أجل شخص متهم بالعمالة للعدو!!
منذ الأحد الماضي ونحن نتابع مشهد هستيري لتدمير الدولة وكل كيانها وارتكاب هذه الجرائم على الهواء من التحريض على ارتكاب جرائم اغتصاب السلطات وجرائم الفتنة وجرائم الإرهاب وتهديد رئيس حكومة بالقتل، وجرائم تنال من الوحدة الوطنية وتعكر الصفاء بين عناصر الأمة وجرائم تهدف إلى النيل من مكانة الدولة المالية.
كل ما نسمعه يومياً هو مما يقع تحت عنوان جرائم واقعة على أمن الدولة الداخلي لأنها تقع على نظامها السياسي الداخلي أو ضد الدولة بصفتها شخصاً من أشخاص القانون الداخلي، فجرائم أمن الدولة الداخلي تنطوي على اعتداء على النظام الداخلي للدولة.
وما يحدث ليس جرائم قانونية فقط بل جريمة سياسية تنفّذ بامتياز بحق الدولة اللبنانية تمهيداً لإلغائها، فالقانون الألماني لسنة 1929 عرّف في المادة الثالثه منه الجرائم السياسية على أنها: "هي الجرائم الموجهة ضد كيان الدولة أو سلامتها وضد رئيس الدولة أو احد أعضاء الحكومة بوصفه عضواً في الحكومة وضد الهيئات الدستورية وضد الحقوق السياسية المتمثلة في الانتخاب والترشيح، وكذلك الجرائم التي من شأنها المساس بالعلاقات الحسنة في البلاد الأجنبية".
ما يحدث عبارة عن "مجزرة" تذبح فيها الدولة، ومع هذا رأس البلاد وحامي الدستور لم تبلغ نبرته المستوى المطلوب لحماية الدولة ومؤسساتها، هذا الصمت وعلى مستوى الرئاسات الثلاث يستحق مساءلة حقيقيّة من الشعب اللبناني لأن الدولة هي كيان لبنان وشخصيته الاعتباريّة، ألا تستحق كلّ هذه الجرائم وضع مرتكبيها والمحرّضين عليه في السجن وإخضاعهم لمحاكمة علنيّة!! أم أنّ الدولة اللبنانية ومؤسساتها رخيصة إلى هذا الحد في نظر رؤسائها، هل يجرؤ ضابط سابق في أي دولة عربية أن يطلق التهديدات التي أطلقها جميل السيّد، وهل يستطيع نائب في أي برلمان الدعوة إلى الاعتداء على مؤسسة أمنية من دون أن يلتئم المجلس النيابي لمساءلته وإحالته إلى التحقيق وإسقاط صفة مشرّع عنه لأنّ تفكيره عدواني وترهيبي وضار بصورة البرلمان الذي يضم هكذا عضو يستحق البتر !!