بين الإسفاف والمكابرة، الرعونة والتهديد، اتسمت آخر فصول الحملات السياسية التي يعيش لبنان، نظاماً ودولة ورموزاً، تحت وطأتها منذ زمن ليس بقليل. والنقد، محقاً كان أم غوغائياً ومن داخل النظام أم على هامشه، ما كان يوماً مشكلة، بصرف النظر عن غاياته المشروعة أو تلك التي تتذرع الصخب والتهويل والإرعاب لتغطية الارتكابات، لكن أن يتحول إلى ثوران يهدد بقلب النظام وتحطيم الدولة واغتيال رموزها والتحريض على الفتنة والفوضى فهو ما يرسم علامات استفهام كبيرة.
فأن يكون "الهياج" تحت عناوين ظلامة السجن، فهذا أمر فيه نظر وله طرائقه ووسائله القانونية المعروفة لتحصيل الحقوق، لكن أن ينطلق من ذلك، باسفاف، كالتهديد بأخذ الحق باليد من القضاة وأجهزة الدولة وزعامة وطنية والغاء المحكمة الدولية وصولاً الى نقل التطاول على قداسة الشهادة ومن ورائها على فئة كبيرة من المواطنين اللبنانيين في شرفهم ودورهم وموقعهم في الكيان! فهذا أيضاً يحيل إلى ضرورة التأكد من سلامة العقل من دون أن يلغي أسئلة سياسية عن السقف الذي سمح للأمور بالذهاب إلى هذا الحدّ في زمن كثر الحديث عن ضرورة تعزيز التهدئة وتخفيف التوتر الداخلي – الذي ما خمد منذ تشكيل "حكومة التوافق الوطني" – والتنبه إلى الاحتمالات الإقليمية للحرب أو السلم وتأثيرها على لبنان والمشرق العربي، واعتبار الاستقرار في لبنان نقطة إيجابية في التقدم نحو التسوية العادلة، وفق تقدير يرتكز إلى عودة العلاقات اللبنانية – السورية للانتظام.
فمنذ أكثر من ستة أشهر، يطل التوتّر السياسي على الساحة اللبنانية بشكل مبرمج، تارة على توقُّع حرب إسرائيلية على لبنان، وتارة أخرى على وقع خطابات الأمين العام لحزب الله، بشأن احتمالات صدور القرار الظني للمحكمة الدولية، وصولاً إلى الحديث عن "منظومة سياسية واعلامية وامنية بعضها له وجه رسمي وبعضها يرتبط بشخصيات وبقوى سياسية نريد لها أن تتفكك".
وما بين السيناريوين، أي احتمالات الحرب الإقليمية أو التوتير الداخلي المستفيد من الانشغال الإقليمي بانطلاق المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تستمرّ أجواء الاستنفار على خطّين: خطّ انتاجية الحكومة، إذ ان كل القضايا التي تطرح في مجلس الوزراء، مهما صغُرت تتحوّل إلى أزمات، وخطّ التصريحات النارية التي تهدف إلى إثارة الجدال وتعميم لغة الشتائم، ولا هدف من ورائها إلا بعث الفِتَن النائمة والاستنزاف بتوتّرات تَهُزُّ أعصاب المواطنين وتزيد من الانقسام السياسي.
فالجنرال، السجين السابق، يقول إنه مظلوم بسبب السجن قرابة الأربع سنوات بدون داع، ولذلك فهو يطالب بمحاكمة "شهود الزور"، لكنه قرّر انه سيأخذ حقه بيده، وليس من الذين شهدوا عليه زوراً بحسب رأيه، بل من القضاة وسائر أجهزة الدولة، ويريد إلغاء المحكمة الدولية، ويريد نقل ضريح الرئيس رفيق الحريري من وسط البلد!
أما الجنرال، رئيس التكتل النيابي، المكلوم منذ شهر بتوقيف أحد كبار مساعديه بتهمة التعامل مع إسرائيل، فقد خرج مهاجماً القضاء والأجهزة الأمنية، ومطالباً الناس بعصيان قوى الامن، وعدم اطاعة استدعاءات القضاء؟ ووزيره في الحكومة "يحتجز" مليار دولار من مداخيل وزارته ولا يسلمها إلى المالية العامة!
هذه الحملة على النظام والدولة والرموز تأتي وسط ظروف قاتمة يسودها الاحباط لدى المواطنين بسبب غياب الدولة وتردّي الخدمات وانعدام الامل وتصاعد الصراع والانقسام. فحكومة الوحدة الوطنية وبعد اشهر عديدة على قيامها لم تنطلق بعد، فكل ملف بين يديها بمثابة طحن للماء، أما الملفات الكبرى فيجري تجنبها خوفاً من المطبات والانقسامات، فالمسؤولون لا يعيرون الأمور "التافهة" من مثل الكهرباء والماء والغذاء والدواء والتعليم أي اهتمام، فيما اهتمام هؤلاء منصب على الأمور الكبرى والاستراتيجيات الكونية أو على العرقلات والصفقات وربط كل شيء بمصالح فئوية وحزبية.
تأسيساً على ذلك، ما معنى كل ما يجري في حكومة "الوحدة الوطنية"؟، هل معناه أن جزءا من النظام القائم يريد الانقلاب على هذا الصيغة من خلال تفكيك ما بقي من الدولة بالتهديد والإرعاب، أو بالقوة إن لزم الأمر؟ وما هي صورة الموقف ما لم تكن الحكومة حكومة "ائتلاف وطني"؟
لا أحد يستطيع حسم اتجاهات الموقف في الفترة المقبلة، لكن في تقدير كثيرين أن ما يجري، على سلبيته، ليس مدعاة للخوف والرهبة والانهيار والتراجع، بل حافزاً ليدرك الناس أنهم بحاجة للدولة من أجل الأمن والأمان وتسهيل العيش، وأيضاً من أجل صون المرافق الأساسية والصيغة والميثاق، وصون السمعة والقدرة على التصرف والسعي للظهور كدولة لا تسير نحو الفشل، وهو فرصة لإعلان التمسك بالسلم ورفض الفوضى وانكار كل مظاهر عدم الاحساس بالمسؤولية، وأكثر من ذلك، هو فرصة للقول إن أحداً لا يريد الثأر أو الانتقام، فالذين ماتوا، وعلى رأسهم شهيد وسط بيروت، ما قضوا عرضاً في حوادث عادية، بل ارتُكبت في حقّهم وحقّ لبنان جرائم سياسية ووطنية موصوفة، هدّدت الوطن والحياة السياسية والحريات وأمن الناس، وشرط عودة الأمور إلى طبيعتها انكشاف مرتكبيها والجهات التي تقف وراءهم، ولن يفيد في شيء الإرعاب والتهديد والإسفاف.