ثمة نقاط يجب التوقف عندها ومحطات يجب اعادة قراءتها، كي تنجح الصفحة الجديدة مع سوريا:
اولا: على الرغم من اهمية وتاريخية فتح الصفحة الجديدة بين البلدين بفضل جهود رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس مجلس الوزراء الرئيس سعد الحريري – وعلى الرغم من اهمية وتاريخية اقامة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين وتبادل السفارات وفقا لاصول القانون الدولي والعلاقات الدولية – بخاصة لجهة ما ينم عن مثل هذا التبادل من اعتراف متبادل بسيادة واستقلال كلا البلدين (علما انها ليست المرة الاولى التي تعترف سوريا باستقلال لبنان وسيادته وبكونه دولة وقد كان لسوريا اكثر من محطة اعترفت فيها باستقلال لبنان على الورق فيما النفوس لم تكن لتهضم هذا الاستقلال). الا ان التجارب الدولية التاريخية والثنائية بين البلدين اثبتت بشكل قاطع ان كل هذه الانجازات والاعترافات المتبادلة لم تمنع العلاقات الثنائية من المرور بفترات كبيرة من التوتر والتشنجات والصدامات والصراعات السياسية والعسكرية – لان جوهر المشكلة العالقة بين البلدين لم تعالج يوما في بعدها الجيو- استراتيجي ولا في بعدها الموضوعي في ظل استمرار دمشق بالنظر الى لبنان على انه حديقتها الخلفية ودرع حمايتها، وبالتالي النظر الى لبنان على انه محكوم بأن يدور في فلكها وفي ما يناسب سياستها واستراتيجيتها بدءا من ايام ما قبل الوحدة المصرية – السورية، وصولا الى اتفاق الطائف وما بعده.
ثانيا: ان اول اساس لقيام علاقات سوية بين البلدين يبدأ باقرار النظام السوري بأن لبنان فعلا لا قولا وايمانا لا دعاية ولا مناورة ولا مداورة – دولة قائمة لها ما لها من حقوق وعليها ما عليها من التزامات دولية واقليمية وعربية اسوة باي دولة عربية ذات سيادة. فهذا الاقرار يفترض ليتحقق ان يتحرر النظام السوري من عائقين اساسيين:
أ : عائق عقائدي بالتوقف عن التعامل مع لبنان على انه كيان مصطنع افرزته اتفاقية “سايكس – بيكو” ومؤتمر فرساي للعام 1919، لان مثل هذا الاعتقاد اثبت عدم جدواه وعدم جديته في سياق العلاقات التي تقيمها الجمهورية العربية السورية مع كافة الدول العربية الجارة لها والتي هي صنيعة هذه الاتفاقية وتلك المعاهدة – كالاردن والعراق وفلسطين وسواها من دول – وهي علاقات ندية (باستثناء فلسطين) تحترم كل دولة سيادة الاخرى واستقلالها – علما ان على حدود سوريا الجنوبية دولة عربية هي الاردن وقعت على معاهدة سلام مع اسرائيل، وبالتالي من المفترض من الناحية الاستراتيجية والعقائدية ان تشكل خطرا مباشرا وقريبا جدا من النظام في سوريا ومع ذلك لا نجد سوريا تتدخل في شؤون الاردن وتقيم معها علاقات اقلها متوازنة في الاحترام المتبادل والتوازن بين جارين.
ب: عائق تاريخي متمثل في التفسير الخاطىء الذي طالما توقفت عنده اغلبية الانظمة المتعاقبة في سوريا في نظرتها الى لبنان على انه جزء من بلاد الشام، وبالتالي خنجر في الخاصرة السورية والعمق العربي السوري. وقد سلخت عنها اراضي ضمت الى لبنان ابان اعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 – بينما الواقع والتاريخ والجيو – سياسة والحقيقة يثبتون لمن يطلع على المراجع والمؤلفات المتخصصة ان لبنان ككيان مستقل او ذات استقلالية (جبل لبنان) كان اول من تمتع بنظاما مستقلا ذات امتيازات في حين كانت سائر دساكر المنطقة خاضعة للسلطنة العثمانية التي استمرت حوالى اربعمئة سنة متحكمة بالمنطقة العربية وبالاراضي العربية ومنها السورية.
ثالثا: ان التعاطي السوري تجاه لبنان يجب ان يتغير في اتجاهين اساسيين:
الاتجاه الاول: النظر الى لبنان كما هي حقيقته الديمغرافية والسياسية والتاريخية. فعلى دمشق ان تنظر الى لبنان السياسي والسوسيو- سياسي على حقيقته، ليس بأنه سلسلة جبال وبقاع وساحل شبيه بالتضاريس الجغرافية والمناخية لسوريا بل بانه مجموع طوائف ومذاهب وحضارات اتفقت فيما بينها بمحاولة ايجاد مساحة مشتركة للعيش المشترك واختبار امكانيات التفاعل بين مختلف العقائد والمعتقدات والثقافات على ارض توفر حرية وكرامة كل مجموعة حضارية لتستطيع اداء دورها في هذا المختبر الحضاري الفريد في العالم وخاصة في المنطقة العربية – اي الصيغة الفريدة التي وصفها قداسة الحبر الاعظم رحماة الله عليه يوحنا بولس الثاني بـ “لبنان الرسالة”.
وبالتالي يرتكب النظام في دمشق وارتكبت انظمته السابقة والحالية – كل مرة خطأ فادحا في التعاطي مع اللبنانيين تماما كما تتعاطى مع شعبها وبنفس اساليب تعاطيها مع مجموعات حضارية منسجمة ومن لون واحد وثقافة واحدة – الامر الذي كان كل مرة يؤدي الى انتكاسات خطيرة في العلاقات بين البلدين – بفعل عدم تعاطي السوريين مع الخصوصية اللبنانية التاريخية والحضارية.
الاتجاه الثاني: وقف الازدواجية في التعامل مع التركيبة اللبنانية. فمن جهة ارتضت دمشق بناء علاقات من دولة الى دولة مع لبنان، وفي الوقت عينه تضع على اللبنانيين خطوط حمراء كالمقاومة مثلا وتستمر في التصريح علنا بأنها خط احمر لها مستعدة للتضحية بكل شيء من اجلها.
وهنا نتوقف عند الاتي:
أ : لا يمكن لاي علاقة بين دولتين ان تستقيم اذا استمرت احدى الدولتين في اعتبار ان لديها في الدولة الاخرى مجموعات حليفة لها لا تستطيع التخلي عنها – تماما كما يحصل مع الجمهورية الايرانية الاسلامية التي تقيم علاقات رسمية مع لبنان وتبادل سفارات وبعثات وعلاقات ثنائية وفي الوقت عينه تستمر في دعم فريق لبناني داخلي تحت الف حجة وحجة.
ب: ان هذه الازدواجية تضعف قبل اي احد الدولة اللبنانية التي تقيم معها دمشق علاقات رسمية لانها تنتقص اولا من سيادتها وثانيا لانها تتدخل في شؤونها الداخلية وتقوي فئات على فئات اخرى، ما يؤدي مجددا الى افقاد النظام السوري الحيادية الايجابية التي تفترضها علاقات طبيعية بين البلدين مبنية على الاحترام المتبادل للسيادة والاستقلال لدى كلا البلدين. وباضعاف الدول اللبنانية سنعود الى معادلة اما تحييد الدولة ومؤسساتها ما يعني سقوطها مجددا وانهيار الهيبة الرسمية للسلطة في لبنان اي الفوضى كبديل وبالتالي مخاطر الانزلاق مجددا في حروب اهلية وصدامات بفعل بحث كل مجموعة عن حماية نفسها والحفاظ على وجودها، وبالتالي ترتد هذه الفوضى الداخلية في لبنان على امن واستقرار سوريا التي قد لا تجد كل مرة الظرف الدولي والاقليمي المؤاتي للتدخل – وبالتالي التورط مجددا في القضية اللبنانية حتى اخمس قدميها.
ج : ان هذه الازدواجية ستقوي عناصر الفتن الداخلية والقلاقل بين اللبنانيين وستؤثر مجددا استراتيجيا على امن واستقرار المنطقة – ما يعني اصطفافات لبنانية مع وضد الدور السوري في لبنان.
رابعا: اذا ارادت دمشق ان يكون دورها في لبنان ايجابي لها وللبنان- عليها ان تكون فعلا لا قولا على مسافة متساوية من الجميع في لبنان – فينظر اليها اللبنانيون كافة على انها الحكم الشريف – ان كان لا بد من حكم ما وراء الحدود – وموضع ثقة كل اللبنانيين – الامر الذي يفترض ما يلي:
أ : التخلي نهائيا عن منطق معاداة فريق من اللبنانيين لحساب فرقاء اخرين – وفي هذا السياق على النظام في سوريا ان يعيد بناء الجسور مع كافة اللبنانيين وبخاصة المسيحيين الذين خاصموه عندما اراد اخضاع لبنان بالقوة لارادته منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد المصرية الاسرائيلية – واراد القضاء على سيادة واستقلال الدولة اللبنانية والتنوع والديمقراطية في لبنان – وبالتالي وانطلاقا من اقرار الرئيس السوري بشار الاسد في مستهل حكمه بارتكابات واخطاء ارتكبت في لبنان. يبقى على النظام السوري ان يقوم بمبادرات شجاعة باتجاه اللبنانيين المتحفظين عليه وعلى دوره للتصالح معهم وفتح صفحة جديدة بين الطرفين على قاعدة الاقرار بخطأ الدخول الى لبنان والتورط في احرب الاهلية ضدهم وضد اللبنانيين عامة – لان المكابرة والاستكبار والعنجهية لن يوصلوا الى اي مكان وهم اخطر ما يمكن ان توصف به علاقة دولة مع دولة اخرى .
ب: التوقف عن تقوية ودعم واطلاق ابواق لها في لبنان ووقف منطق الحلفاء والاعداء لها في لبنان – وبالتالي اقفال ديبلوماسية الاستزلام والمحاسيب والوكلاء والناطقين – لان هذا المنطق يضمحل ويسقط تلقائيا بمجرد ان تعود دمشق الى توازن في علاقتها مع جميع اللبنانيين دون استثناء – بحيث بدل ان يكون للنظام السوري فريق لبناني الى جانبه في مقابل فريق اخر ضده – يصبح كل لبنان فريقا واحدا داعما لسوريا كما ان سوريا تقف صفا واحدا داعمة للبنان الواحد الموحد لصالح كل اللبنانيين – بينما الاستمرار في المنطق الخاطىء يسقط حيادية سوريا ودورها وثقة اللبنانيين بها ويضعف الدولة اللبنانية وسيادتها واستقلالها، ما سيضطرها بحكم المعادلات المتداخلة جغرافيا وسياسيا وديمغرافيا الى ان تصبح الدولة اللبناني برمتها اسيرة الانقسامات وضحية مصادرة هيبتها ودورها الطليعي من قبل الاطراف المؤيدة لسوريا وللنظام فيها.
ج : ان تساهم دمشق على جعل اللبنانيين يتحملون مسؤولياتهم لوحدهم من دون اي تدخل او اي مداخلة منها اومن سواها تعزيزا لدور الدولة اللبنانية بالمقام الاول – التي متى قويت تستطيع هي ان تكون الحكم والحكم الوحيدين على الاراضي اللبنانية وبين جميع اللبنانيين وهذه وظيفتها اساسا كما في كل دول العالم عبر مؤسساتها الدستورية والقانونية والقضائية والامنية والعسكرية ومنظومة الدستور والقوانين والتشريعات التي تحكم وتنظم وتضبط اداء الحياة اللبنانية العامة.
خامسا: اقرار عدم حكم لبنان من سوريا ولا حكم سوريا من لبنان – مع ان الشواهد التاريخية والسياسية الى الان تثبت تحقق الاحتمال الاول اكثر بكثير من تحقق الثاني – وهنا على النظام السوري ان يقر بحق اللبنانيين في ان يديروا بانفسهم مصالح وطنهم وان يكونوا اسيادا في قراراتهم ولو اختلفت مصالح لبنان احيانا مع المصلحة السورية. فعلى غرار تجربة الوحدة الجمركية والاقتصادية بين البلدين في الخمسينات، فان الاختلافات الجذرية بين انظمة البلدين الدستورية والاقتصادية والاجتماعية – وتركيبة المجتمع في البلدين ومصالح المجموعات الثقافية والدينية في البلدين – كلها عوامل تفرض على سوريا احترام الارادة اللبنانية بشرط طبعا عدم التسبب باي تهديد او خطر ضد دمشق كما ان دمشق لا تسبب اي خطر او تهديد للبنان. فالمضي قدما في هذه المعادلة يفترض توفر النية الحقيقية من قبل نظام دمشق بعدم التدخل في الشأن اللبناني الداخلي ما لم يكن ثمة اجماع على هذا التدخل والا اعيد التاريخ وتكررت نفس المأسي …
يجب على دمشق ان تدرك ان الاستمرار في حكم لبنان من سوريا لن يجلب الى البلدين سوى المزيد من الشرخ ومن موجات تدهور وانتكاسات متلاحقة في العلاقات الثنائية. فكم من مرة عبر التاريخ اتفق الجانبان على فتح صفحات جديدة في العلاقات منذ العشرينات؟ وكم من مرة عادت الخلافات والصراعات لتستحكم بينها لتعيد تلك العلاقات الى بداياتها لا بل الى ادنى مستوياتها بفعل فقدان عامل الثقة المتبادلة من جهة وبفعل تصور الانظمة السورية ان لبنان يجب ان يكون الصدى الدائم والمطلق لمواقف دمشق ومصالح دمشق فيما مصالح لبنان مغيبة او في احسن الاحوال “مكملة” لمصالح السوريين … او دائرة في فلكها … ما عزز ويعزز تبعية لبنان وبالتالي حكم لبنان من خارجه.
هذه ابرز الخطوط العريضة التي نراها لمستقبل ناجح للعلاقات اللبنانية – السورية، فلا مشكلة مع لبنان في بناء اطيب واميز العلاقات مع جارتها لكن المشكلة كانت دائمة في “الجارة” التي لا تفقه تميزا الا ذوبان ولا العلاقات الثنائية الا علاقات تابع لمتبوع ومفهوم لوجود مصالح مشتركة تفسر مصالح لبنان فقط من خلال مصالح سورية باتجاه واحد…
فمن دون ثورة في فكر ونظرة النظام السوري الى لبنان ودوره ووظيفته في محيطه الاقليمي والدولي وخاصة في مقومات وجوده الفريدة وبالتالي تقاطع مصالح عدة عائلات روحية وفكرية وثقافية وحضارية واحترام خصوصياتها ودورها اكامل والتكامل مع الاخرين، لن تتجاوز المحاولات الحالية مجرد مساعي جديدة متجددة ومتكررة عقيمة للبناء على ارضية غير صافية والتأسيس على روحية غير موجودة لدى الفريق السوري الى الان … على ما هو ظاهر اقله الى الان …