في خضم مرحلة يريدها بعضهم انتقالية لصالح حالة قادمة هي اللادولة، أو الدولة البديلة التي لا تمتَ بصلة الى مفهوم الدولة الحديثة كما يحدَده القاموس السياسي العالمي، وفي صلب حراك مشبوه يرمي الى أضعاف النسيج الأجتماعي ليصبح غير قادر على حماية نفسه، وفي ظل ممارسة سياسية وأمنية تفسح في المجال لنشوب صراع يسعى الطرف الأقوى فيه الى امتلاك السلطة باللجوء الى الوسائل غير المشروعة، لا بدَ من تعريف موضوعي لمفهوم الدولة، وذلك للأضاءة على الخطر الداهم الذي ينتظر اللبنانيين، اذا تحقق المحظور وانهارت بنى الدولة الموجودة، وأقيم بالتالي على أنقاضها المشروع الاثني الذي يعيدنا الى زمن الخلافة.
لقد تعدَدت النظريَات التي عالجت مفهوم الدولة، لكنَها أقرَت كلها بأنَ الدولة هي مجموعة من الأجهزة المكلَفة تدبير الشأن العام للمجتمع. وقد نشأت، كما قال "هوبز"، ضمن تعاقد ارادي وميثاق حرَ بين المواطنين لينتقل هؤلاء من حالة الطبيعة، أي حرب الكل ضد الكل، الى الحالة المدنية. من هنا طرحت نظرية العقد الأجتماعي تبريرا كلاسيكيا لنشأة الدولة من خلال تصوَر شكل الحياة في مجتمع بلا دولة، أي في حالة الفطرة، وهي حالة تتَسم بحروب أهلية وصراعات مستمرَة وسيطرة شريعة الغاب حيث الحق للقوة. وذلك ما هيَأ للناس أتفاقا أو عقدا يضحَون بموجبه بجزء من حريَتهم من أجل أقامة كيان ذي سيادة، يستحيل دونه حفظ النظام والأستقرار. فغدت الدولة الضمان الأوحد ضد الفوضى وألغاء الآخر والأنارشية التي بلا ضوابط. فالدولة أذا هي ضرورة وحاجة، والغاية من تأسيسها تأمين الحرية للأفراد والحفاظ على حقهم الطبيعي في الوجود باعتباره وجودا حرا.
وقد حدَد آخرون الدولة بأنَها الشخصية الحقوقية المعنوية التي تفرض سيادتها على مساحة الوطن، وتنبثق عنها السلطات التي تدير شؤون مؤسساتها، وهي بالتالي الحامية والضامنة لحقوق الناس. أما علماء الأجتماع، فاعتبروا أنَ الدولة هي حالة تعبير عن سموَ الفرد عن أنانيَته، ورقيَه الى مستوى الوعي الجماعي. وقد قال "روسَو" في هذا المجال: انَ الدولة هي تجسيد للأرادة العامة في الأمتثال للقوانين بدل الخضوع لسلطة القوي. من هنا يصحَ الأستنتاج أنَ الدولة هي الناظم الأساسي للتشكيل الأجتماعي، والجهة المؤتمنة على السياسة التي يتمَ بها تنظيم حياة الأفراد داخل مجتمع ما، اعتمادا على مؤسسات تشكل جهاز الدولة. وهكذا يمكن للأنسان أن يضفي على حياته نوعا من الأستقرار والنظام عبر التقيَد بمبادئ وقوانين تشرف عليها سلطة عمومية. فالدولة هي بالفعل الكيان السياسي والأطار التنظيمي الذي يوحَد المجتمع، وهي تجسيد للخير العام والمصالح المشتركة للمجتمع.
أما خصائص الدولة فهي ممارسة السيادة، أي أنَها صاحبة القوة العليا غير المقيَدة في المجتمع، وهي تعلو بذلك فوق أيَ تنظيمات أو جماعات موجودة داخلها. كما أنَ أجهزتها هي المرجعية الوحيدة المسؤولة عن صياغة القرارات العامة الجمعية وتنفيذها. وهذه القرارات ملزمة للمواطنين جميعا كونها تعبَر عن المصالح الأكثر أهمية لهم. والدولة تحتكر وحدها "العنف الشرعي" كما يقول "ماكس فيبر"، أي انها تمتلك منفردة قوة الأرغام لضمان الألتزام بقوانينها، وهي ليست أبدا جهازا قمعيا.
وتمارس الدولة اختصاصاتها هذه على كامل الاقليم الوطني الذي يشكل وحدة سياسية قائمة بذاتها. انطلاقا من هذا الكمَ النظري الموضوعي الذي أنتج وعيا راسخا لمفهوم الدولة، كيف يمكن أن نوصّف ما يجري راهنا وهو غير بريء، أذ يهدف الى تقويض ما هو قائم لبلوغ ما يرتجيه بعضهم، وهو مشبوه؟
ان الأزمة السياسية الحادة التي يمرَ بها الوطن تتناول قضية استراتيجية هي وجوده، انطلاقا من عدم تمكين مكوَناته على الأتفاق حول مفهوم الدولة والأنماط المعيارية التي تحكم المجتمع. وبكلام أكثر وضوحا، ان التخريب وألحاق الضرر بمؤسسات الدولة وأضعاف مقوَماتها وأفراغها من مضمونها، ما يمارسه أمر واقع أمني يعمل كدولة، لهو تعبير صارخ عن النضال المزيَف الساعي الى السلطة لا غير، هذه السلطة القائمة على مبدأ التفويض الالهي والتي تمارس الطبقية الأنتسابية، بعيدا عن مبدأ التعاقد الذي يعكس الأرادة العامة للناس باعتبارهم أحرارا ومتساوين. كما أن الدولة في نظر هذه الفئة لم تنشأ ككيان اجتماعي سياسي اقتصادي عسكري مشرَع قانونا، لذلك لا اساس لوجودها كدولة فعلية بالنسبة اليهم. والبديل " المحضَر" هو نموذج هجين لا يتناسب مع التركيبة الوطنية ومع أسس التشارك في العيش الكريم للجميع.
أمام حالة التقسيط السياسي هذه، والتي ينبغي التنبَه لها، يجب التأكيد على أن حياة الناس مرهونة بوجود الدولة التي تهتمَ بالشأن العام الذي يجعل منها سلطة تعمل على أشاعة النظام وتحقيق الأمن وتأمين الحقوق ورعاية المصلحة الجماعية وتحرير المواطنين من خوفهم بتوفير حماية لهم من كل أشكال العنف والتسلَط، وذلك ليسود مناخ العدالة والحرية. اننا نضع هذا التنبيه برسم المسؤولين في"دولتنا" كي لا يصحَ فيهم ما قاله جورج بوش: " لو أتيح للناس اكتشاف الحماقات والأخطاء التي ارتكبناها بحقَ وطننا وشعبنا ودولتنا، لعمدوا الى مطاردتنا في الشوارع لأعدامنا".