وتكاتفت الغيوم المظلمة على كواكب النّور، وبكت السّماوات والأرض وربّ القوّات.
إنّه قمر أيلول الأسود،
يطلّ علينا ككلّ عام حاملا معه ذكرى محاولا تحويرها عن مسارها.
ذكرى خمسة عشر ألف شهيد من عمر لبنان الوطن، لبنان الكيان، لبنان الدولة القادرة القويّة.
تعود يا قمر أيلول ونحتفل بالذكرى،
يفيض نبعاً سرمديّاً من مآقينا لكنّه لا يروي معاصينا.
لن نقول استشهدوا لنبقى بل نقول استشهدوا لنولد من جديد.
نعم، إنّها "الولادة" التي نعتزّ بها. ليست من رحم الأمّهات بل من رحم المعاناة.
نعم، ولدنا من رحم معاناة عندما تمّ مطاردة أتباعه مار مارون الى مغاور الهرمل.
ولدنا مع مار يوحنّا مارون ولن نموت الا عندما تموت رسالة الوجود المسيحيّ الحرّ في هذا الشرق التي كرّسها بتعاليمه.
ولدنا مع حلم البشير في الـ 10452كلم2 والآلاف من الشهداء
وولدنا مع أحد عشر عاماً من الإعتقال والنّضال الذي لم ينضب يوماً.
ولدنا مع صراخ الرفيق بطرس خوند وعشرات لا بل مئات من الذين غيّبتهم أيادي ثقافة القتل والحقد التي لم ترحم دماء رمزي عيراني وبيار بولس وكثيرين غيرهما.
هذه الدماء تصرخ لك يا سيّد المؤتمرات الصحفيّة، وتذكّرك بأنّك إن أفلتّ من محكمة الأرض، فمحكمة السماء آتية لا محالة.
لا تخافوا يا رفاق هذه الولادة التي لن يقتلها أحد.
يا أيلول الأسود لن نسمح لك بأن تأذن لمن جاهروا بكفرهم وألبسوك وشاح الأحزان فتسلب منّا فرح الشّهادة، وبسمات الموت.
أسمعهم يا أيلول بقرع أجراسنا أننا "هنا كنّا وهنا سنبقى وقوات الجحيم لن تقوى علينا".
لن نرحل عن هذه الأرض حتى لو ألبسوها كلّها اللون الأسود.
نعود من جديد كالفينيق، ونلبسها أبيض من ثلج صنين،
وأخضر من أرز بشرّي والباروك وتنورين،
وأحمر من دمائنا إن دعت الحاجة.
رفاقي الشهداء،
لن نسمح بعد اليوم بأن يبقى "أيلول أسود" سنلوّنه بضحكة أطفالنا.
بعد أكثر من ثلاثة عقود، ما زلنا على نفس الدّرب،
لم نحد قيد أنملة عن درب رسمتموها بدمائكم التي إن تجمّدت، أحرقت بخورًا في مجامر هذا الوطن، وعبق عطرها حتى في سماء من لا يحبّ السلام.
نذكركم والدّموع لا تنهمر، بل بسمات الأمل تغذّي ثغورنا،
الأمل في الدولة التي استشهدتم لقيامها،
الأمل للكيان الذي بقي لأنّكم كنتم هنا،
الدّمعة الوحيدة التي تطعم عيوننا هي دمعة الأسف على من يشاركنا الوطن ممّن لا يؤمن بحقيقة هذا الوطن فيسعى الى استبداله بدويلة أو بولاية على قدر عقيدة أسرته وتأسره الى الأبد.
والدّمعة الأكبر على أولئك الذين يشاركوننا حمل صليب الشّهادة، فيستشهدون تارة معنا على نفس الجلجلة وينتقلون طوراً ليبحثوا عن شهادة أخرى علّها تعيد لهم بريق الشهادة المفقود.
اليوم نطمئنكم، على دربكم باقون، والشّهادة قدرنا.
نستشهد لأنّكم علّمتمونا معنى الشهادة الحقيقي غيّرتم باستشهادكم كلّ مفاهيم حياتنا، وما زلنا محافظين على هذا الدّستور الجديد الذي تسلّمناه منكم، ولن نرتاح الا إن سلّمناه أفضل لأولادنا من بعدنا. هذه أمانة تطوّق أعناقنا من دون أن تخنقنا بل إنّها تغذّينا كلّ يوم أكثر وتقوّي عزيمتنا لنطبّق ما تعلّمناه منكم.
صحيح انّ لبنانكم ما زال يتألّم لكن، الفارق الوحيد أننا ما زلنا هنا لم نرحل ولن نرحل بل سنعمل على إعادة كلّ من رحل. هذا عهدنا لكم في هذا العام، والعهد الأكبر الحفاظ على الأمانة.
لن نتركهم ليسلبوا منّا ما دفعنا من عمرنا ألف وستّة مئة عام لتحقيقه،
والثلاثين الأخيرة التي دفعناها غير الثلاثين الأخيرة التي قبضها بطل الرّابية
أو حتى من يختبئ في جحره منذ أعوام وأعوام.
رحمنا الله لبعدكم عنّا ورحمكم في منحكم هذا الشرّف، شرف التّربّع على عرش السّماء جنبًا الى جنب ربّ القوّات.