كتب المحلل السياسي في "اللواء": تعتبر مصادر ديبلوماسية غربية ان التوجه الأميركي-الأوروبي في الشرق الاوسط يجهد في سبيل توفير فرص النجاح للمفاوضات المباشرة الفلسطينية-الاسرائيلية، وبث التفاؤل في إمكان وصولها الى النتائج المرجوة منها. ذلك ان ثمة حراكاً على الصعيدين الأميركي والفرنسي في اتجاه دول المنطقة، كالزيارة السورية- اللبنانية للموفد الرئاسي الاميركي جورج ميتشل، لتحريك عملية المفاوضات غير المباشرة على المسار السوري- الاسرائيلي واللبناني – الاسرائيلي، وكذلك الزيارة السورية لجان كلود كوسران، الموفد الرئاسي الخاص المكلف ملف العلاقات السورية – الاسرائيلية والديبلوماسي الفرنسي المخضرم العائد بزخم الى ملفات الاقليم الذي طبع مسيرته المهنية المديدة.
وتتحدث المصادر عن ان الجهود الأميركية لا تتعارض مع المساعي الفرنسية في الاتجاه نفسه، ويظهر ان واشنطن لم تعترض بعد على دور العراب التفاوضي الذي تريده انقرة لنفسها بالتعاون مع باريس. وهو دور يلقى قبولا سوريا استثنائيا.
وتعوّل المصادر على التحرك الاميركي- الفرنسي المتوازي في اتجاه دول المنطقة ولا سيما منها لبنان وسوريا، في محاولة لتذليل العقبات التي ما زالت تعترض انطلاقها، وهي كثيرة ومعقدة، في ضوء الشروط الاسرائيلية وابرزها فك سوريا ارتباطها وتحالفها الاستراتيجي مع ايران، وهو امر غير وارد في الحساب السوري مهما اشتدت الضغوط وزادت مغريات الانفصال، دورا او استثمارا او اثمانا سياسية لبنانية وعراقية وفلسطينية.
ويظهر ان في ذهن الادارة الاميركية وموفديها الى المنطقة اكثر من صيغة حل لبدء مفاوضات غير مباشرة في المرحلة الاولى، على ان تتحوّل مباشرة عندما تجهز المواقيت وتتحدد الاثمان. كما ان في الادارة تصميم على مواجهة صلبة للعقد انطلاقا من عزم اميركي غير مسبوق يجهد في سبيل انهاء ازمة الشرق الاوسط.
ولا تغفل واشنطن الدور العربي المواكب للمفاوضات من باب الدفع في اتجاه السلام، ولا سيما السعودي والمصري والقطري والاردني، علما ان الملك عبدالله بن الحسين حرص على المشاركة في لقاء واشنطن لاطلاق المفاوضات المباشرة، وعلى التشاور في دمشق مع الرئيس بشار الاسد ارتكازا على شمولية الحل وعدم تجزئته، اتعاظا من الاخطاء الاميركية-الاوروبية المتكررة منذ مؤتمر مدريد في العام 1991.
في المقابل، يعتبر تقرير سوري صادر عن احد مراكز الابحاث في دمشق وحصلت "اللواء" على نسخة منه، بعنوان "حقيقة النوايا الأميركية تجاه المفاوضات على المسارين السوري اللبناني"، ان التحرك الجديد للسيناتور جورج ميتشل اتى في لحظة دقيقة مركبة الازدواج.
ويضيئ التقرير على نقطتين في احد تصاريح ميتشل في واشنطن، تشيران بوضوح الى النوايا الأميركية لتفعيل مفاوضات السلام مع إسرائيل على المسارين السوري واللبناني، هما:
– جهود لانخراط سوريا وإسرائيل في محادثات ومفاوضات يمكن أن تقود إلى السلام هناك وأيضاً إسرائيل ولبنان.
– عندما اعلن الرئيس (باراك اوباما) تعييني بعد يومين من دخوله مكتب الرئاسة، فقد أشار إلى السلام الشامل بين إسرائيل والفلسطينيين، وإسرائيل وسوريا ولبنان، وأن تعيش إسرائيل بسلام وأن تكون لها علاقات طبيعية مع كل جيرانها العرب ثم أضاف السيناتور ميتشل قائلاً بأن "ذلك سوف يبقى هدفنا".
ويرى التقرير ان محتوى الكلام الذي اطلقه يحمل أكثر من تفسير وأكثر من دلالة:
أ- ثمة من يفسّر التصريح باعتباره محاولة لإيهام الرأي العام أن واشنطن تسعى من أجل تحقيق السلام على كل محاور الصراعات والنزاعات الشرق أوسطية العربية-الإسرائيلية.
ب- وثان من يعتبره محاولة لطمأنة دمشق وبيروت بأن دورهما في عملية السلام آت لا محالة ريثما تنتهي واشنطن من إكمال مسيرة السلام الفلسطيني-الإسرائيلي.
ت- وثالث يراه محاولة لدفع بيروت ودمشق في اتجاه دعم جهود جولة المفاوضات المباشرة الفلسطينية-الإسرائيلية، طالما أن نجاحها سوف يفسح المجال أمام تحقيق واشنطن للمزيد من التقدم في ملفات السلام مع دمشق وبيروت.
ث- ورابع يقاربه على انه محاولة ردع ديبلوماسي للمفاوضين الفلسطينيين، بما معناه: إذا لم تنجح هذه المفاوضات فإن واشنطن تنوي تحريك المسارين السوري واللبناني، وتاليا يتوجب على رام الله أن تحرص على إنجاح جولة التفاوض هذه من طريق عدم التردد في تقديم المزيد من التنازلات•
ج- وخامس يرى فيه رغبة حقيقية للإدارة الأميركية الديمقراطية لجهة توسيع جهود إحلال السلام بما يشمل كل الأطراف المتنازعة مع إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط.
ويخلص التقرير الى انه:
– من غير الممكن للإدارة الأميركية أن تدفع في اتجاه عقد جولة المفاوضات المباشرة الإسرائيلية-الفلسطينية الراهنة، إذا لم تتفاهم واشنطن مع إسرائيل وتحصل على موافقة مسبقة.
– من غير الممكن للسيناتور ميتشل أن يطلق مثل هذا التصريح إذا لم يكن قد تفاهم مسبقاً مع الإسرائيليين، ليس على هذا التصريح وحسب، وإنما على كل محتويات ما قاله في المؤتمر الصحفي.
– ان نوايا واشنطن التي يزعم السيناتور ميتشل بأنها تهدف لجهة تفعيل مسار مفاوضات السلام على المسارين السوري واللبناني، هي نوايا تحمل التلميحات المبكرة الإستباقية الآتية:
1- لم تنجح جهود إسرائيل لجهة دفع دمشق إلى التخلي عن جهود أنقرة. وبالتالي، فربما تنجح إغراءات واشنطن في دفع دمشق إلى هذا التخلي، بما يخلق تباعدا بين طرفي علاقات خط دمشق-أنقرا، وهذا التباعد الذي سوف تسعى إسرائيل إلى استغلاله من أجل استعادة قوة الروابط التركية-الإسرائيلية، والتي تدهورت بشكل متواتر بتأثير دخول دمشق المتواتر في الساحة التركية.
2- لم تنجح جهود إسرائيل من طريق الحرب والتهديدات في إرغام لبنان لجهة التخلي عن خيار الروابط مع دمشق، بما أدى إلى انهيار فرضية نظرية أمن الحدود الشمالية الإسرائيلية عبر إقامة اتفاقية سلام إسرائيلية-لبنانية بمعزل عن دمشق.
وقد تسعى واشنطن الى تفعيل مسار المفاوضات السورية ومسار المفاوضات اللبنانية، ثم تقوم، من خلال التفاوض، بتوسيع الفجوة وجعل قضايا المسار اللبناني تتعارض مع قضايا المسار السوري، ثم يتم الدفع في اتجاه توقيع اتفاقية على المسار اللبناني، وتعليق المسار السوري.