من الواضح حتى إشعار آخر يا إخوان، أن الحملة القائمة باتجاه تهميش كل هيبة متبقية لمؤسسات السلطة اللبنانية وركائزها القضائية والأمنية والسياسية، ومحاولة التطاول الفظّ والجلف على رجال الدولة، إنما هي مسار تخريبي تختلط فيه الأهداف المرحلية الخاصة بالمحكمة والقرار الظني بالأهداف الأشمل الخاصة بالنظام وتركيبته من أساسها.
ولا يهم، على ما يبدو، إن كان ذلك المسار انتحارياً. فأصحابه استنفذوا كل أسلوب آخر لإعادة الإمساك بناصية الحكم كما كان الحال قبل جريمة 14 شباط 2005، ولم يعد أمامهم إلا توسّل الطريقة الراهنة التي نرى تفاصيلها يوماً بعد يوم ونوبة تلو نوبة وشتيمة تلو شتيمة.
.. وفي ذلك تمهيد واع، وتحضيرٌ بيِّنٌ لما يمكن أن يُستجد ميدانياً.. اللعب بالهدوء الأمني راهناً غير مسموح وغير مصرّح به(؟) ولكن ذلك لا يمنع ولم يمنع اللعب بأوتار الصوت تعلية وصراخاً وشتماً وتهديداً وتفنيصاً وتشبيحاً وكذباً وتزويراً، ثم مراقبة ردة الفعل محلياً وخارجياً قبل الانتقال الى المرحلة التالية.
إسقاط المحكمة ما عاد كلاماً تحليلياً، إنما قرار مُتخذ، والسعي الى تنفيذه يسير على سكّتين. واحدة داخلية من خلال تهبيط الحيطان وابتزاز رئيس الحكومة سعد الحريري حتى النهاية، وثانية خارجية من خلال المراهنة على "شيء ما" يمكن أن يحصل بين طهران وواشنطن. ومخطئ بالعشرة من يفترض خللاً في هذا المعطى، أو عدم أخذه في الاعتبار كاحتمال حقيقي فعلي يمكن أن يُترجم عندنا وفي شأننا كما يحصل راهناً ويُترجم في العراق مثلاً من خلال "التفاهم" على عودة نوري المالكي رئيساً للحكومة!
لكن مع ذلك، فإن "إفتعال" معركة محلية مع خصم لا يريد الخصام، ولا يريد الذهاب الى قطيعة لن تبقى في مكانها، ولن تبقى تأثيراتها محدودة، ولا محصورة في حيّز سياسي أو جغرافي ضيّق، إنما يُراد منه أخذ ما لم يؤخذ لا بالانتخابات ولا بالسلاح. كأنهم يفترضون لحظة مناسبة ولا يريدون أن تفلت منهم. ومرادهم العودة الى فرض واقع سلطوي شرعي يوازي ويكمل الواقع السلطوي الحقيقي والملموس ولكن غير الشرعي المتأتي من السلاح أولاً وأخيراً وقبل أي شيء آخر.
لم يتمكنوا من ذلك الدمج التام في الانتخابات النيابية الأخيرة، علماً أنهم كانوا يفترضون أنها "ستعيد الحق الى أصحابه" بعد أن أُخذ منهم بغفلة عين وخديعة تحالف في انتخابات العام 2005… ولم يتمكنوا من ذلك الدمج (قبل ذلك وفوقه) بحكم تركيبة هذا اللبنان، وبحكم حقائقه الملازمة لوجوده، وبحكم وقائع لا يغفل عنها إلا المراهق في السياسة والتاريخ والجغرافيا، أو الذي يفترض أن نصف اللبنانيين وأكثر، ليسوا إلا أبناء جالية أجنبية يمكن أن نعكّر عليهم تفاصيل عيشهم فيهربون الى بلدانهم الأصلية!
قراءة عامة مراهقة وخطيرة تشبه في الشأن الخاص تهور سائق مراهق يعتقد أنه شاطر ويستطيع أن يقود سيارته كما يشاء، فينتهي في أقرب مستشفى متوافر.
واقع الحال، اننا في بلد يشبه المستشفى منذ أكثر من ثلاثة عقود، كلما شغر سرير فيه عاد مراهق ما وعبّأه… والخطير اليوم أن الدكّ والركّ يركزان على أساسات ذلك المستشفى، وأن الفاعل هنا مدجّج بكل أسباب القوة التي تجعله يفترض خطأ أن المستشفى للآخرين فقط، وأن الانتحار فعل من أفعال الجهاد الأكبر!.. شكراً.