لم يقل أحد ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان تجاوز المهام الدستورية المكلف بها.. لذا فإنه عندما يدعو الى الابتعاد عن التحديات وعن السجالات يكون في صدد تجنيب البلاد مخاطر التوتر السياسي لبعض أصحاب المصالح الخاصة. وهذا ما سبق لفت الرئيس سليمان اليه عندما كان يرى في جوانب معينة من جلسات الحوار الوطني برعايته المباشرة انها ابتعدت عن صلب ما هو مرجو منها، ان لجهة عدم إعطاء الدولة دورها الدستوري او التسليم للدولة بأنها فوق الجميع (…).
في مرحلة المناكفات التي وجد حزب الله نفسه في صلبها، لم تتوصل هيئة الحوار الى فهم ما هو مطلوب منها كأولويات، حتى بالنسبة الى ما سبق اقراره، الى ان جاء توسيع المشاركة في الحوار بمستوى وضع العقد كمصالح وطنية، في ما يعرف الجميع انه اذا استمر الحوار في سياق ما هو قائم، فلن يكون بوسع أحد فهم حقيقة المطلوب من الحوار، خصوصاً ان بعض الاقطاب أصبح همهم الوحيد التشهير بأركان الدولة ومؤسساتها، فيما ينحصر دور بعض الاقطاب الآخرين في تسيير دفة الحكم بحسب وجهة نظرهم حتى ولو اقتضى الأمر التلويح باستخدام القوة مباشرة؟!
عندما يركز القطب السياسي المسيحي النائب ميشال عون على الطعن بالرئاسة الاولى التي هو منها وفيها، يكون قصده افهام الاقطاب الآخرين من طائفته انه في غير وارد تجاهل دوره وقدرته على ضرب صدقية الموقع الرئاسي بدليل قوله ان سعيه يتركز على تعزيز قدرات رئيس الجمهورية ليس الا (…).
وإذا سلمنا جدلاً بأن الرئيس ميشال سليمان غير قادر على ان يفعل أكثر مما فعله في مناسبات التوتير للجم بعض من تخطى المعقول، فإن الدلائل التي تشير الى ما كان عون بصدد القيام به قياساً على تجربة وجوده القسري في قصر بعبدا يوم توليه رئاسة الحكومة العسكرية، أي ان عون لو كان يتصرف كرئيس للجمهورية، فإن أول عمل سينفذه هو حل مجلس النواب وإعلان الاحكام المعرفية، وهما عملان مستحيلان في الوقت الراهن، حيث الرد عليه سيأتيه مباشرة من حليفه حزب الله وحلفاء الحزب بصورة تمنع عليه المحافظة على موقعه الرئاسي، بل على موقعه الشخصي؟!
وقياساً على التقلبات في سياسة الدولة اللبنانية، ظهر الجانب الرسمي المرتبط بالمحكمة الجنائية الدولية وكأن القصد الذي حدده عون وحزب الله، عبر تبادل توزيع الأدوار، هو الحل الأمثل للكشف عن قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيره من شهداء مرحلة ما بعد 14 شباط 2005، بما في ذلك الاعتراف بأن خيار المحكمة ليس في محله طالما انها يمكن ان تكشف عن أدنى مستويات الدلائل المؤدية الى تحديد الجناة!
وعندما يربط حزب الله موقفه من المحكمة الدولية بموضوع شهود الزور، بأتي حليفه ميشال عون في مشهد مزايدة لا سابق لها، من غير حاجة الى الاتكال على شهود الزور، طالما ان القصد واحد في مجال إثارة موضوع تغطية حصة لبنان في نفقات المحكمة واعتبار هذه الخطوة غير قانونية، من دون ان تعني له شيئاً توضيحات وزيرة المال ريا الحسن عندما قالت ان قرار دفع حصة لبنان جاء في سياق مرسوم دفع سلفات وافق عليه مجلس الوزراء ووقعه رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ولا لبس فيه؟!
أين نقاط الالتقاء بين حزب الله وعون؟
مصادر مطلعة تقول ان غاية الجانبين واحدة وترمي الى استمرار تفريغ البلد عبر تعزيز عوامل الهجرة ومنع التعافي الاقتصادي والمعيشي في أدنى مستوياته، وثمة من يشكك في هذا التفسير بالنسبة الى مصلحة عون. لكن بالنسبة الى مصلحة حزب الله فإنها واضحة "كون التفريغ من ضمن سياسة وضع اليد على البلد كخيار لا بديل له" فيما يجزم من يتطلع الى خيار ثان بأن البدائل لن تكون فاعلة في ظل سلطة السلاح غير الشرعي المرشح لأن يستمر الى ما لا نهاية تحت عنوان "الحاجة الى مقاومة العدو الاسرائيلي"؟
والذين مع ميشال عون ومع خيار تحالفه مع حزب الله يقولون انه طالما لم يتأمن قرار الدولة الواحدة كعامل سياسي – شعبي مستبعد فمن الأفضل ان يبقى عون شريكاً لحزب الله، أقله لأنه يمنعه من استفراد البلد بقوة السلاح. وهذا التفسير يمكن ان يكون مقبولاً في نظر البعض بعد انهيار النظام البرلماني الديموقراطي والاستعاضة عنه بنظام الهوبرة السياسية بواسطة السلاح ومن خلال تفاهمات لا علاقة لها بالأصول والقوانين؟؟
ومن الضروري القول لمن لم يستوعب مثل هكذا مخاطر وحقائق ان الخروج من دوامة شهود الزور وإسقاط المحكمة الدولية لن ينهي التباين مع حزب الله ومع حليفه ميشال عون، حيث لا بد وان يجري اختراع عقد أكثر ضراوة من التعرض لصدقية جهاز أمني لم يفعل سوى واجب كشف شبكات التجسس؟!