قلب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على الوطن والدولة والشعب وصيغة العيش المشترك، في حين ان قلب البعض، العائش سياسياً على النكايات والفجور والتجريح والاتهامات والمصالح الشخصية والفئوية، ليس على الحجر، بل هو من حجر، واذا كان رئيس البلاد قد انهى غضبته على السجالات التي لا تبني وطناً، بدعوة الجميع الى الرفق بالوطن والمواطن ورحمتهما، سيأتي غداً من، خلا صدره من المحبة، الى اتهام الرئيس سليمان بأنه لا يعمل شيئاً سوى البكاء.
بين رئيس الجمهورية المتمسك بمنطوق الدستور والمؤسسات والعيش المشترك، وبالعلاقات الجيدة مع الدول الصديقة والشقيقة، وبين المتمسّكين بلغة «التجريح والتخوين والخروج على الاصول» ايهما يكون رجل دولة حقيقياً، وايهما يحمل فيروس تمزيق البلد وتمزيق مؤسساته ووحدة ارضه وشعبه.
في مفهوم الرئيس سليمان وممارساته، ان لبنان هو البلد الوحيد في العالم الذي تشارك طوائفه ومذاهبه في الحكم، مشاركة مباشرة ومتكافئة ومصانة بالدستور والقوانين، ففي الدول الاوروبية والاميركية اعداد كبيرة من المسلمين، ولكنهم لا يشاركون في الحكم وفق المفهوم اللبناني للمشاركة، بل هم مواطنون عليهم واجبات ولهم حقوق، وفي المقابل، هناك مسيحيون في الدول العربية والاسلامية ولكنهم كذلك لا يشاركون مشاركة فعلية واساسية في الحكم، وحده لبنان تشعر فيه كل طائفة ان لها حصّة في الحكم وعليها ان تأخذها عن طريق المشاركة، لكن صيغة المشاركة هذه التي يفترض ان تصبّ نتائجها في بناء الدولة ودعم المؤسسات وعصرنتها، يسخّفها البعض الى الافادة من المغانم والحصص فحسب دون ان يعبأ بالدولة ومؤسساتها وواجباته تجاههما، بل هما في نظره بقرة حلوب في مزرعة هو شريك فيها، هذا اذا لم يمدّ الخارج اصابعه الى الدخل ليزيد الطين بلّة، ويحرف البعض عن تحمّل مسؤولياتهم في انجاح تجربة فريدة من نوعها، لا يمكن ان تستقيم الاّ اذا استقام الشعب وقياداته ومسؤولوه، وعرفوا قيمة ما يملكون، واغلقوا منافذ وطاقات الخارج على اي ريح سموم يلوّث الاجواء اللبنانية ويهدد الكيان والصيغة.
* * * * *
بالتأكيد، هناك مسؤولون عن التوتر الشديد الذي يلفّ لبنان من اقصاه الى اقصاه، وهؤلاء معروفون من نبراتهم وخطابهم والاتهامات التي يسوقونها ضد المسؤولين والمؤسسات الدستورية والشرعية، ويثيرون زوابع من عدم الاستقرار والخوف لدى اللبنانيين، فيتسابق القادرون الى ابواب السفارات يشحذون تأشيرة دخول او موافقة هجرة.
حتى اليوم، لم تقف السلطة الموقف الطبيعي الواجب اتخاذه بحق هؤلاء، الذين «يشككون بالمؤسسات ويتخطونها ويهددونها» والسلطة في الدرجة الاولى، هيبة واقدام، واذا سقطت الهيبة وتكرسح الاقدام، يصبح من واجب المسؤولين عن هذه المؤسسات ان يعيدوا النظر في مواقعهم، او ان يتركوا لغيرهم مجال تجربة شجاعته وايمانه بالقانون.
قضاة من رتب عالية، وموظفون من الفئة الاولى، ووزراء ونواب تنهال عليهم الاتهامات والشتائم منذ سنوات كالسدّ المتفجّر، ومع ذلك يختفي هؤلاء وراء صمت اشبه بصمت القبور، بدلاً من الانتفاض لكراماتهم التي تمسّ يومياً، وعلى هواء وصفحات جميع وسائل الاعلام المحلية والاقليمية والدولية، بحيث ان المواطن العادي يشعر عندها انه من دون سقف يحميه، لان السقف الذي يتطلع اليه للحماية واقع على رؤوس اصحابه.
* * * * *
هناك وجوه تغيّرت، وهناك وجوه غابت، وهناك وجوه ما زالت في الكادر منذ بداية اعوام السبعينات، ولكن الثابت الذي لم يتغيّر، هو الجو الملبّد بالشر الذي كان مسيطراً على حياة اللبنانيين قبل فترة قصيرة من اندلاع الفتنة في لبنان، التي تحوّلت سريعاً الى حرب طويلة حصدت مئات الوف القتلى والجرحى والمعوّقين والمهجّرين، ومئات الوف الهاربين الى بلاد الله الواسعة.
ما يجري اليوم نسخة مجددة عن فيلم الرعب الذي عاشه اللبنانيون في السبعينات والثمانينات، وقد يكون المخرج ذاته وكذلك الممثلون، بالاضافة الى ممثلين جدد يستعان بهم ليكتمل المشهد، والويل للبنان وللبنانيين اذا صاح المخرج «أكشن» وبدأ حمّام الدم.