وقف تمويل المحكمة لبنانياً لن يعطّل المساهمات الدولية
المعركة الداخلية تختبر توازن البيان الوزاري
تكشف مصادر ديبلوماسية غربية واخرى اميركية ان ممارسة أطراف لبنانيين ضغوطاً من اجل تعطيل المحكمة الدولية عبر وقف تمويلها لن يؤدي الى وقف عملها كما يعتقد البعض، وكذلك بالنسبة الى المطالبة بسحب لبنان قضاته الذين اختيروا أعضاء في المحكمة، او حتى المطالبة بوقف صدور القرار الظني، فإحجام لبنان عن المساهمة في التمويل لن يوقف المحكمة، اذ ان قرار انشائها الذي حمل الرقم 1757 في 30 ايار 2007 لحظ انه في حال كانت المساهمات الطوعية في تمويل المحكمة غير كافية فان الامين العام للامم المتحدة ومجلس الامن الدولي يتوليان مهمة البحث عن سبل اخرى للتمويل. وهذا الموقف يعرفه الجميع بمن فيهم الافرقاء الذين اخضعوا في مجلس النواب موضوع تمويل المحكمة لتجاذب شديد يحاولون من خلاله وقف تمويلها وتوجيه رسالة الى الامم المتحدة ان المحكمة ليست موضوع اجماع في لبنان، وأنها انشئت بناء على طلب من الحكومة اللبنانية والاكثرية النيابية آنذاك. لكن الضغوط التي تتعرض لها المحكمة لن تؤدي غرضها اذ ان الرسالة المقابلة ستكون السعي الى تمويل المحكمة من الخارج، وفقا لتأكيدات متكررة بدعمها وعدم التراجع عنها، وما ورد في قرار انشائها. فالمسألة معقدة ولن يترك لبنان يواجه هذه المعضلة وحده في ظل المعطيات الراهنة.
وتقول هذه المصادر ان الافرقاء المعارضين أُبلغوا هذه الاحتمالات كما أُبلغوا ان الضغط من اجل وقف صدور القرار الظني لن يستقيم، ذلك أن اياً من الدول المعنية لن تتحمل ان توقف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عملها، لأن ذلك سيشكل فضيحة لاي دولة تحاول السعي الى هذا الامر.
ويثير بند تمويل المحكمة في الموازنة احراجا بالنسبة الى بعض الافرقاء اذ يواجه نواب قوى 8 آذار وخصوصا نواب "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" مشكلة في الموافقة على بند تمويل المحكمة للسنة المقبلة في ظل موقف الحزب من المحكمة، فلكي يكون الحزب منسجما مع نفسه وامام الناس يعني ان عليه العمل على وقف التمويل بصرف النظر عن نجاحه في ذلك باعتبار ان عدم سعيه الى ذلك ينال من صدقيته، في حين يعد موقف نواب "التيار العوني" تضامنياً مع الحزب، اما كتلة "التنمية والتحرير" برئاسة الرئيس نبيه بري فهي امام اشكالية كبيرة مثلما هي الحال بالنسبة الى كتلة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، اذ ان الاثنين كانا يحاولان مراعاة الجانبين في محاولة ابراز نظرية الفصل بين القرار الظني والمحكمة الدولية. ولا يُعتقد ان الاكثرية ستتأمن من اجل وقف تمويل المحكمة وفقا للمواقف المعروفة، بل ان المسألة لن تتعدى في احسن الاحوال ترجمة التجاذب السياسي القائم حول المحكمة خارج المؤسسات الدستورية في مظهر جديد عبر نقله الى داخل المؤسسات. لكن الانقسام سيتسع، وسيزيد حجم الخلافات من دون أي تبديل في المعطيات المحيطة بالمحكمة. والاشكالية الاساسية تتمثل في ان الامر يتخطى موافقة افرقاء سياسيين في مجلس النواب على بند في الموازنة او الاعتراض عليه، اذ ان هذا الامر الاخير يبقى من ضمن الحق الديموقراطي للنواب والكتل النيابية في رفض او تعديل اي موضوع مطروح على مجلس النواب او امام اللجان، إلا ان البند المتعلق بالمحكمة يتسم ببعد اكثر تعقيدا، اذ انه يتصل بجوهر ما تقوم عليه الحكومة التي اتفق فيها على توازن في البيان الوزاري الذي اقره مجلس النواب ووافق عليه باجماع قل نظيره. وهذا التوازن راعى ما طالب به "حزب الله" لجهة المعادلة التي يصر على رفعها في كل مناسبة ووردت في البند السادس من البيان، وهي "الجيش والشعب والمقاومة" بالاستناد الى شرعية اعطاه إياها البيان الوزاري تحديدا وفق ما يقول نواب الحزب ووزراؤه، في حين لجأ الفريق الاخر الى البند المتعلق بالمحكمة الدولية، فورد في البند الثالث عشر من البيان "تؤكد الحكومة احترامها للشرعية الدولية، ولما اتفق عليه في الحوار الوطني والتزامها التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان التي قامت بموجب قرار مجلس الامن الدولي رقم 1757 لتبيان الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه". مما يعني ان الحكومة ملتزمة ما ورد في بيانها الوزاري اياً يكن هذا التعاون.
وتالياً فان مجلس النواب لا يستطيع من حيث المبدأ القفز فوق هذا التوافق السياسي المبدئي الا اذا كان الهدف منه اطاحة الحكومة علماً ان استقالتها لن تؤدي ايضا الى وقف التمويل بل ستخلط الاوراق مجدداً محلياً واقليمياً.