كتبت مارلين خليفة في "السفير": هدأة معراب مريبة. على طريق القرية القابعة بين سكون الجبال وطمأنينة الأودية، أحراج واسعة يقولون إن "الحكيم" حين اختار سكن هذه القرية الكسروانية زرع فيها عيونا. هدأة معراب لا تقود الى طمأنينة، بل الى شعور ضبابي بالغموض على الرّغم من اجتهاد "القواتيين" بتظهير موقف يسمونه "واضحا وصريحا": "نسعى قولا وفعلا الى بناء الدولة والدليل مسيرة مستمرة منذ 5 أعوام لا يمكن أحداً أن يواجهنا بها بحادثة واحدة لم نستنجد فيها بالقوى الأمنية".
هل باتت "القوات اللبنانية" إذاً تشبه راهبات الأديرة اللواتي يحتجن الى حماية؟ أكيد أكيد أكيد أن "رهبنة" معراب ليست طيّعة الى هذا الحدّ، فسياسة العصا والجزرة فاقعة في أسلوب هذا الحزب المتجدد منذ خروج قائده سمير جعجع من السجن في صيف 2005، وعملية توزيع الأدوار بارزة بينه وبين "أشقائه" في قوى "14 آذار" وإن اختلفت الأساليب.
وإذا كان توزيع الأدوار يقينا والدليل تجنّب "القوات اللبنانية" مهاجمة حليفها السابق وليد جنبلاط "القابع في اللاموقف" بحسب تعبير مؤيديها والمتفّهم من قبلهم الى أقصى الحدود في تحييد واضح لجمهور الزعيم الدرزي أكثر منه لشخصه، فضلا عن حيادها الإيجابي تجاه مواقف رئيس الحكومة سعد الحريري الموضوعة في خانة "أسلوب بديل ومختلف"، فالأكيد أيضا أنّ لهجة "القوات اللبنانية" السياسية وإن ارتفعت وتيرتها باتت مدوزنة على وقع الاتفاق السوري السعودي، لكنّها "دوزنة" مدروسة وناعمة، لا بدّ أنها تراعي مزاج جمهورها المنتظر حضوره بكثافة في 25 الجاري في "قداس الشهداء" في جونيه.
"الدوزنة" إذاً هي شعار المرحلة غير المعلن، أوتار العود القواتي تعزف بتناغم كلي مع أوتار حلفائها في قوى "14 آذار" وإن اختلفت نغمات الأوتار، إلا أن اللحن واحد "حلفنا مع تيار المستقبل ثابت ثابت ثابت مهما اختلفت الآراء"، يقول مصدر مسؤول في "القوات".
بناء عليه، فإن الخطاب الذي سيطلقه سمير جعجع من ملعب فؤاد شهاب يوم السبت في 25 الجاري سيتصف "بنبرة قوية وسيشكّل رافعة لجمهور 14 آذار وسيعيد الثقة بالنفس الى هذا الجمهور" بحسب المصدر المسؤول المشار إليه.
يقول القواتيون: "تكتسب هذه المناسبة أهميتها، لأن المواقف التي سيطلقها "الحكيم" لا تعبّر فقط عن وجهة نظر قواتية خاصة بل عن وجهة نظر 14 آذار عامة، وستأتي ردا على الهجمة الانقلابية المنظمة التي يقودها فريق 8 آذار إسقاطا للمحكمة الدولية وللجمهورية اللبنانية". ويشير القواتيون الى أن "الهم الوطني للقوات لم يعد حكرا عليها فحسب بل أصبح هما مشتركا بين كل مسيحيي 14 آذار ومسلميها، وهذا المشترك هو ما تسعى سوريا الى ضربه بغية التمهيد لعودتها مجددا الى لبنان، بينما تعمل قوى 14 آذار على إفشال كل محاولات الفصل السورية للحؤول دون العودة السورية واستكمال معركتي الاستقلال والسيادة. فالتفويض "المسيحي" المعطى للقوات في الحرب وفي زمن الوصاية السورية بالدفاع عن سيادة لبنان وحرية اللبنانيين تحوّل الى تفويض مسيحي إسلامي لاستكمال المواجهة دفاعا عن حق اللبنانيين بدولة فعلية".
هذه النبرة ستقف سدّا منيعا بوجه ما تقرأ فيه "القوات اللبنانية" اليوم "منحى انقلابيا يذهب تصاعديا ليس بالمعنى العسكري بل ضدّ مفهوم الدولة ومؤسساتها وضد حصرية السلاح في يدها".
وعلى الرغم من الانعطافة النوعية التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري منذ مقابلته الشهيرة مع صحيفة "الشرق الأوسط" مسقطا تهمة الاغتيال عن سوريا ومعترفا بوجود شهود زور ضللوا التحقيق، فإن المصدر المسؤول في القوات لا يرى فيها سوى "تمايز في الأسلوب، ونحن نلتزم أجواء التهدئة التي أعلن عنها الرئيس الحريري لكن يجب أن يلتزم سوانا أيضا، فلا يمكن أن يدلي جميل السيد بكلّ ما قاله وتقف القوات ساكتة".
ترى "القوات" في كلام المدير السابق للأمن العام "الشرارة الأولى للمنحى الانقلابي» وبنظرها إن هذا السيناريو" بدأ من كلام السيد وميشال عون ومحمد رعد ومحمود قماطي ويهدف الى نسف المؤسسات بدءا من رئاستي الجمهورية والحكومة والقضاء والأمن تمهيدا لعودة الوصاية السورية الى لبنان". ترى "القوات" أن عملية "إخضاع المؤسسات ستستمر تصاعديا ومن نتائجها إما عودة الوصاية أو استباحة "حزب الله" للبلد. وبحسب القراءة القواتية لما يجري، فإن "المسار الانقلابي يبدأ بالتهويل الإعلامي لينتقل الى شلّ العمل الحكومي وربما الانسحاب من الحكومة ثم شلّ عمل المجلس النيابي، أما هدفه النهائي فضرب 3 أمور: القضاء والأمن والبعثات الدبلوماسية عبر ترهيبها".
ماذا عن" شهود الزور" الذين لا تعترف "القوات" بوجودهم فيما أقر بهم سعد الحريري؟ "المحكمة هي من تقرر ذلك وسعد الحريري لم يقل بوجود شهود زور والقصة هي مسألة أسلوب يعتمده الحريري حتى صدور القرار الظني، وحتى ذلك الوقت كل ّطرف يعتمد أسلوبه في التعاطي". هذه الرواية تدعّم خيار "القوات" بالتزام الصمت حيال المحكمة حتى صدور القرار الظني الذي سيخضع بدوره للتمحيص في الدلائل كما قال جعجع في مقابلة تلفزيونية.
هل تتخوف "القوات اللبنانية" من تداعيات قرار ظني اتهامي ضد "حزب الله"؟ "تتمنى القوات ألا يكون لأي طرف لبناني علاقة لا من قريب ولا من بعيد بقرار المحكمة لكن ينبغي انتظار صدور القرار، وترى "القوات" أن لا خوف من أي قرار عتيد لأن العدالة الدولية هي مصدر ثقة، ونحن طلعنا من العدالة المحلية كي لا نقع في أي تحامل على أي طرف لبناني". لكنّ العدالة الدولية سجنت 4 ضباط لـ4 أعوام ثم أطلقتهم أبرياء؟ يأتي الجواب قاطعا: "لم يخرجوا أبرياء بل لعدم كفاية الدليل".
عند الحديث عن وليد جنبلاط يظهر "الجانب المتسامح" الى أقصى حدّ عند "القواتيين": "ضرب الحبيب زبيب" هكذا قال "الحكيم" وهذا هو موقف القوات يقول المصدر المسؤول فيها. تستنج أنه ليس مطلوبا اية كلمة "غلط" ضدّ جنبلاط سوى ترداد عبارة "نحن نتفهم مواقفه".
تردد أن جعجع طلب موعدا من الرئيس السوري، يسارع المسؤول القواتي للقول: "أكيد لأ، فالدكتور جعجع لا يؤمن بعلاقة أطراف داخلية مع سوريا بل بعلاقة ندية من دولة الى دولة والدليل مشاركة وزراء "القوات" في الاجتماعات الرسمية في دمشق برئاسة رئيس الحكومة". يضيف: "ليس طموحنا معاداة سوريا بل إرساء علاقة بين دولتين ونطمح لأن تكون علاقة سيادية لا يتدخل فيها أي طرف بالشؤون الداخلية للطرف الآخر، وبالتالي لا ترى القوات اللبنانية مبررا لاستقبال سوريا أخيرا بعض الشخصيات والمسؤولين اللبنانيين غير الرسميين".
الموقف المصري تقيّمه "القوات" بأنه "بناء وداعم لقيام الدولة بمؤسساتها الشرعية"، تستشفّ رضى مميزا عن مصر التي يبدو بأن "بركات رئيسها حسني مبارك تشمل "الحكيم" بقسط وافر بشهادة اللقاءين المطولين معه في القاهرة وبشهادة اللواء عمر سليمان.