أمور عدة كانت لافتة في البيان الذي أصدره "حزب الله" تضامنا مع اللواء المتقاعد جميل السيد. في التوقيت لوحظ أن الحزب تريّث في إصدار بيانه حوالى 36 ساعة، ما يعني إما أنه أخذ كل وقته قبل إعلانه موقفه وبالتالي فموقفه المعلن مدروس بتأن، وإما أنه أصدر بيانه تحت ضغط ما، وإما أنه كان ثمة نقاشات حامية داخل أروقة الحزب حيال إصدار البيان.
احتمال وجود ضغط على الحزب وارد من قبل جميل السيّد نفسه، وقد عبّر السيّد عن ذلك بنفسه حين كرّر أكثر من مرة أن "الحزب لا يمكن أن يتخلى عنه"…
واحتمال أن يكون الحزب الالهي أخذ الوقت الكافي للخروج بموقف "مدروس" منه ليس بمستبعد. كما أن احتمال أن يكون "حزب الله" خضع لتجاذبات ونقاشات داخلية بشأن اتخاذ موقف متضامن مع جميل السيّد أو عدم اتخاذ هذا الموقف امر ليس بغريب، وذلك بسبب التناقض الجوهري بين السيّد و"حزب الله" في موضوع التعامل مع المحكمة الدولية. ففي حين يرفض "حزب الله" المحكمة بالكامل وأعلن تكرارا عزمه على إسقاطها ووصفها بانها محكمة إسرائيلية، يعمد السيّد الى اللجوء الى المحكمة والتقاضي أمامها، وامتداح القاضي بلمار وسلفه براميرتس، إضافة الى تقديمه دفوع وطلبات أمام المحكمة مباشرة. وبالتالي فإن مقاربة موضوع المحكمة الدولية مختلفة تماما ما بين الطرفين.
الأهم بعد هذه المقدمة أن "حزب الله"، وأيا تكن أسباب تأخره في إصدار البيان التضامني مع السيّد، لا يمكنه أن يتبرّأ من أي حرف من بيان احتاج إصداره الى أكثر من 36 ساعة!
وبالعودة الى مضمون البيان، يجدر التوقف عن أكثر من ملاحظة وعنوان:
في الشكل، يبدو "حزب الله" أنه اعتاد أن يوجه أوامره الى السلطة القضائية في لبنان. فحينا يطلب الى المحاكم إنزال عقوبة الإعدام بكل المتعاملين مع إسرائيل، والذين تم توقيف أكثريتهم الساحقة على يد شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، رغم أن موقف الحزب لا يزال غامضا بالنسبة الى الموقوف الأخير بهذه التهمة القيادي العوني فايز كرم في مفارقة غريبة لناحية تصنيف العملاء.
وحينا آخر يهدد "حزب الله" القضاء في حال اتخاذ أي إجراء بحق الوزير السابق ميشال سماحة تحت عنوان أنه مؤيد للمقاومة. وأخيرا يهدد الحزب ضمنيا القضاء اللبناني بضرورة التراجع "بسرعة" عن قرار استدعاء جميل السيّد، في تلويح مستمر بسلاحه كالعادة.
وفي المضمون، يبدو أن "حزب الله" الذي يهيمن على الطائفة الشيعية في لبنان تحت تهديد السلاح، لا يتردد في تأمين "الحماية" للضابط الشيعي المتقاعد جميل السيّد والذي هدّد أكبر زعيم سني في لبنان وهو رئيس حكومة لبنان، ولو حتى على حساب حليفه الأول رئيس مجلس النواب نبيه بري. إذا لا يأبه حزب ولاية الفقيه لأي اعتبارات للفتنة السنية- الشيعية التي يعمل على إذكائها ليل نهار بأدائه، ورفضه للمحكمة الدولية في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وفي توجيه سلاحه الدائم الى صدور أبناء بيروت خصوصا واللبنانيين عموما، إضافة الى عرقلته لعمل حكومة الرئيس سعد الحريري تحت ألف ذريعة وذريعة.
وفي المضمون أيضا، يبدو "حزب الله" في بيانه كمن يهزأ بعقول اللبنانيين وذاكرتهم حين يورد في بيانه الآتي: "إننا في حزب الله نعتبر القرار الصادر قرارا سياسيا بامتياز وعنوانا للقمع والترهيب لكل مظلوم يصرح بالحقيقة في هذه المرحلة، نرفضه بشدة وندعو إلى التراجع عنه بسرعة".
ونسأل "حزب الله": ما المطلوب؟ وهل المطلوب أن يلغي القضاء نفسه بعد كل ما تعرّض له من جميل السيّد تحديدا؟ وهل يعلم "حزب الله" أن جميل السيّد هو تحديدا رأس الأجهزة الأمنية التي كانت تستعمل القضاء لتصفية الحسابات السياسية، وفي ما تعرّضت له "القوات اللبنانية" خير دليل، في حين يفاخر "حزب الله" وحلفاؤه الى اليوم بالأحكام السياسية الصادرة عن القضاء العضومي؟!
أما اليوم، فالقضاء أمام شفافية لم يمر بها قبلا أمام الرأي العام اللبناني والدولي. والمحكمة الدولية، بوجودها وأدائها وآخر قراراتها صدرت في 17 أيلول بما يتناسب والطلب المقدم من المتقاضي أمامها جميل السيّد إياه، تثبت أيضا معايير العدالة الرفيعة للقضاء الدولي.
فهلا يكف "حزب الله" عن مزايداته وتهديداته، لأن اللبنانيين يؤمنون بمؤسساتهم وبالقضاء الدولي، وآخر ما يريدونه هو عدالة "حزب الله" ونموذجها المثالي إرهاب الدولة الذي تمارسه السلطات الإيرانية على كل معارضيها!
أما "حزب الله" فلا يؤمن كما بات واضحا بالدولة في لبنان، ولذلك يصرّ على مشروعه الانقلابي في سبيل إقامة دولته المنشودة، وهذا ما لا يمكن أن يسمح به اللبنانيون مهما كان الثمن. ورفضه للقرارات القضائية، كما رفضه للقرارات الحكومية وللمؤسسات الأمنية ما هو إلا سلسلة منظمة ومتدرجة في هذا المشروع الذي تبقى قمته المعتادة بسلاح إلهي في صدور اللبنانيين. فهل من يتعظ ولو لمرة قبل فوات الأوان؟!