#dfp #adsense

زعماء يغيّرون مواقفهم لمصالحهم وزعماء يغيّرونها لمصلحة الوطن

حجم الخط

لأن السياسة فنّ الممكن وهي لا دين لها ولا قلب…
زعماء يغيّرون مواقفهم لمصالحهم وزعماء يغيّرونها لمصلحة الوطن

يقول نيقولا ميكيافيللي في كتابه "THE PRICER" ان السياسة غابة كبرى مليئة بالوحوش الضارية، حذار ان تدخلها إلا ومعك كلبك الأمين، ويقصد به الجيش والقوات المسلحة، فإذا لم يفعل ذلك، فلا أحد يضمن سلامته وأمنه. ويقصد ايضا ان على السياسي التحلي بشجاعة الاسد وبطش النمر ولؤم الثعلب لأن السياسة عندما يقال عنها انها فن الممكن، فمعنى ذلك انها ليست فن المستحيل، وعندما يقال ان لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة في السياسة بل مصالح دائمة، فمعنى ذلك ان السياسة هي لعبة مصالح لا تعرف المبادئ، وهي لا دين لها ولا قلب…
ويقول السياسي العريق لويد جورج "إن في السياسة كثيرا ما يكون صديقك عند الصباح ومن ألد أعدائك عند المساء".

الواقع ان الصداقة في السياسة مثل العملات، كثيرا ما يكون بعضها معرضا للتهاوي في سوق القطع، وبعض الناس يتخذون من صداقاتهم رأس مال لأعمالهم ولعلاقاتهم الشخصية او السياسية مع الآخرين، وان اكثر الصداقات والتحالفات السياسية تكون معرضة لخطر الخلاف او التفكك والنسيان من دون ان تتعذب الذاكرة ولا ان تؤثر فيها الذكريات ولا التذكير بها، او تكون هذه الصداقات والتحالفات خاضعة لاحكام الظروف والمتغيرات فتفرض إعادة القراءة لتبرير الانتقال من حال الى حال ومن موقع الى آخر، حتى إذا تغيرت الايام تغيرت معها. وهكذا يكون لكل صداقة وسياسة مسافة تطول او تقصر، او تكون شجرة للفيء اتقاء للحر، وإن تكن لا تثمر وليس فيها سوى الورق كشجرة الدلب.

من هذه المقدمة يرى مرجع ديني ان العمل السياسي، خصوصا في لبنان، لا يبنى غالبا على الصداقة والاخلاص والوفاء بل على مفهوم الميكيافيللية ولمبدأ الغاية تبرّر الوسيلة بحيث صار بامكان السياسي ان يتخلى عن مبادئه ومواقفه إما خدمة لمصلحته او خدمة لمصلحة الوطن او خدمة لمصلحة الآخرين.
وهذا ما جعل زعماء يستديرون ويتراجعون عن مواقفهم السابقة ويخرجون من تحالفاتهم ويعودون الى مصادقة من عادوهم وخاصموهم اشخاصاً ودولا، وهي استدارات تقضي بها غالبا مصالحهم الذاتية لا مصالح الوطن وذلك حرصا على بقائهم ووجودهم السياسي، ومن لا يتقن فن الاستدارة واعادة التموضع، يُغتال او يُهجّر او يُهمَّش لان عليه ان يتكيف مع التطورات والمتغيرات والمخططات في لعبة الامم لان السياسة هي فن الممكن، والممكن يفرض التكيف مع كل مستجد، وما الاستدارة إلا شكل من أشكال التكيف. اما من يرى في السياسة فن المستحيل، فلا قدرة له على التكيف ولا يتقن تاليا فن الاستدارة خصوصا اذا كانت القاعدة الشعبية لا تدور مع دوران القيادة ولا يصح فيها قول الاديب الكبير سعيد تقي الدين رحمه الله "ان الرأي العام بغل عندما يمشي كالقطيع وراء الكراز الذي قد يذهب به الى الهاوية او الى المسلخ"…

لكن في لبنان زعماء دافعوا ويدافعون عن المبادئ ولم يتراجعوا عنها او تغيروا كلما تغيرت الظروف والمعطيات لانها من الثوابت التي لا تتغير ولا يجوز التكيف مع هذه الظروف على حسابها او الاستدارة حولها او عليها، واذا غيروا الطريق فمن اجل الوصول الى هذه المبادئ وتحقيقها وليس من اجل الوصول الى مصالح ذاتية، بل الى مصلحة الوطن من دون سواه. والزعماء اللبنانيون الثابتون على مبادئهم ومواقفهم هم الذين يشكلون حصنا للبنان السيد الحر المستقل ويرددون مع الشاعر الراحل نزار قباني ليسمع السياسيون الميكيافيلليون قوله: "إن يمت لبنان متّم معه، كل من يقتله كان القتيلا. كل قبح فيه قبح فيكم، فأعيدوه كما كان جميلا. كل ما يطلبه لبنان منكم ان تحبوه قليلا"…

ومن الزعماء الذين احبوا لبنان كثيرا وليس قليلا وضحوا بحياتهم وبمواقعهم في سبيله تمسكا منهم بمبادئهم ومواقفهم ولم يتراجعوا عنها قيد أنملة ونفتقدهم اليوم وقد فضلوا ان يدفعوا ثمن مجازفاتهم السياسية او رهاناتهم المكلفة ببعديها الاقليمي والدولي على التراجع عنها وشرب كأس الذل: كمال جنبلاط الذي استمر على موقفه دفاعاً عن الخط السياسي الذي يؤمن به وهو الخط الذي جاهر به امام الرئيس الراحل حافظ الاسد عندما قال له انه يرفض "دخول لبنان السجن الكبير". والرئيس الراحل كامل الاسعد الذي اصر على توفير النصاب لانتخاب الشيخ بشير الجميل رئيسا للجمهورية ولم يكن ثمة مرشح سواه، كي يجنب البلاد تداعيات الفراغ الرئاسي ولم يأخذ بدعوة الرئيس الاسد له برفع الجلسة لعدم توافر النصاب ففضّل ان يخسر رئاسة مجلس النواب على ان يخسر لبنان. والعميد الراحل ريمون اده الذي رفض تحت اي شكل من اشكال الضغط، التراجع قيد انملة عن مبادئه ومواقفه الوطنية وفضّل المنفى الاختياري على الوطن الذي احب كي لا يعيش فيه ذليلاً ومهاناً ورفض رئاسة الجمهورية بشروط غيره وأصر على شروطه. والرئيس كميل شمعون الذي واجه المد "الناصري" دفاعاً عن لبنان كي يبقى سيداً حراً مستقلاً ولا يذوب في محيطه، وظل في خط الدفاع هذا حتى آخر يوم من ولايته. والرئيس سليمان فرنجيه الذي جعل محبته لوطنه لبنان تفوق اي محبة لوطن آخر وهو صاحب شعار "وطني دائما على حق"، وقد دفع ثمن موقفه هذا حربا على جماعته في الكورة وقطع طريق المصنع على الحدود مع سوريا. والرئيس رشيد كرامي الذي قدّم دائما مصلحة لبنان على اي مصلحة اخرى وكان له موقف من دخول الجيش السوري الى لبنان، وظل وفيا لمبادئه وحليفا للرئيس فؤاد شهاب، مفضلا ان يخسر معه من ان يربح مع سواه. والرئيس صائب سلام الذي رد على قصف منزله في المصيطبة بالصواريخ بالقول انه مستعد لان يكون صديقاً لا عميلاً او تابعاً ونفى نفسه الى جنيف ولم يعد الى لبنان الا عندما شعر بانه يستطيع ان يعيش بقية عمره بعزة وكرامة. والرئيس الشهيد رينه معوض الذي كان شهيد اصراره على تنفيذ اتفاق الطائف تنفيذا دقيقا كاملاً. والرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي رفض ان يقايض صداقته لسوريا بمصالح للبنان ودفع حياته ثمنا لاستعادة لبنان استقلاله وسيادته وحريته، ويحاول البعض جعله يدفع ثمن السلم الاهلي والاستقرار من حساب الحقيقة والعدالة… وتعرّض الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل للاغتيال لأنه أصر على حماية العيش المشترك بين اللبنانيين عندما رفض توقيع اتفاق سلام مع اسرائيل من دون موافقة الشريكين المسيحي والمسلم في لبنان.

وسقط شهداء آخرون لأجل لبنان منهم: المفتي الشيخ حسن خالد وناظم القادري والشيخ حليم تقي الدين وداني شمعون وطوني فرنجيه وسليم اللوزي، ورياض طه والشيخ احمد عساف والشيخ صبحي الصالح، باسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم وصالح العريضي لانهم كانوا عنيدين في التمسك بمبادئهم ورفضهم المساومة عليها او التراجع عنها. فالمطلوب من زعماء لبنان اليوم ان يكونوا للبنان اولا وان يضحوا من اجله لا من اجل سواه، واذا كان عليهم ان يتراجعوا عن موقف فمن اجل مصلحة لبنان فقط، وليس من اجل مصالحهم او من اجل مصالح الآخرين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل