لبنان يواجه تداعيات الفصل الأخير في ملف المحكمة الدولية
هل يتم الاحتكام إلى المؤسسات أم إلى الشارع ؟
محكمة أو لا محكمة، تلك هي القضية والمشكلة التي بلغت فصلها الأخير وربما الحاسم. وكان الفصل الاول بدأ مع حكومة الرئيس السنيورة عندما انسحب منها الوزراء الشيعة احتجاجا على اقرار النظام الاساسي للمحكمة قبل الاستماع الى ملاحظاتهم عليه، وكان قد بدئ ايضا بالعمل على عرقلة تشكيل لجنة تحقيق دولية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، فقامت تظاهرات ومسيرات واعتصامات كان اكثرها شدة وضررا تلك التي استمرت داخل الخيم وسط العاصمة بيروت وما أعقبها من اقفال ابواب مجلس النواب والامتناع عن تسلم اي مشروع او مرسوم يصدر عن حكومة باتت "غير شرعية وغير ميثاقية"، لكن كل ذلك لم يؤد الى ترحيل تلك الحكومة ولا الى تعطيل مسار المحكمة. الى ان جرى الاتفاق في مؤتمر الدوحة على انهاء الفراغ الدستوري بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية واجراء انتخابات نيابية لم تستطع الاكثرية التي انبثقت منها تأليف الحكومة عملا بالنظام الديموقراطي الذي بموجبه تحكم الاكثرية والاقلية تعارض، لان اتفاق الدوحة قضى بان تكون الحكومة حكومة "وحدة وطنية" تتمثل فيها الاكثرية والاقلية، فلا تستأثر فئة بالقرارات ولا تلجأ فئة الى التعطيل. ثم تأكد الاجماع على المحكمة في هيئة الحوار وفي البيان الوزاري للحكومة، ومع ذلك استمرت المواجهة لتعطيل المحكمة بافتعال مشكلة تمويلها.
وكان الوزير السابق وئام وهاب قال انها تساوي حذاءه، وقال العماد عون انها "طبخة بحص"، وهكذا ظل لبنان ينتقل من وضع شاذ الى وضع اكثر شذوذاً، وبات واضحا ان لا خروج من هذه الأوضاع الا باعتماد قانون للانتخابات النيابية يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل بحيث ينبثق منها مجلس نيابي يمثل ارادة الشعب تمثيلا صحيحا واكثرية تحكم واقلية تعارض، والا فقدت نتائج الانتخابات اهميتها ومعناها عندما يتساوى الرابح فيها مع الخاسر…
واذا كانت قصة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وصلت الآن الى فصلها الاخير، فهل يكون حاسما، مع اقتراب موعد صدور القرا رالظني وتحديد الموقف النهائي منه وعودة المواجهة السياسية الحادة بين قوى 8 و14 آذار التي كانت قد بدأت عام 2005؟ وهل تتحول الى مواجهة امنية في الشارع، وهي مواجهة ما كانت لتحصل في اي وقت لو ان المؤسسات الدستورية كانت تعمل بانتظام وفعالية وكان الاحتكام اليها عند اي خلاف وليس الى السلاح بعدما بات معروفا ان هذا السلاح كلما اصبح في ايدي الاحزاب والتنظيمات في مواجهة سلاح الدولة عمت الفوضى في البلاد وتعطل عمل المؤسسات وسادت شريعة الغاب وعاد القتل على الهوية… وهذا ما حصل عندما اصبح السلاح في ايدي الفلسطينيين واللبنانيين معا، فكانت الحروب الاهلية الداخلية وغير الاهلية، وكانت الاجتياحات الاسرائيلية لأراض لبنانية بلغت العاصمة بيروت، ولم يقف في وجه هذا السلاح سوى المجيء بالوصاية السورية، وكأن لبنان بات بين خيارين كلما واجه سلاحا خارج الشرعية وعجزت الدولة عن مواجهته: اما ان تُحكم البلاد بالسلاح غير الشرعي ويصبح الحق للقوة في السياسة وفي القضاء وفي كل شيء، واما ان تصبح الدولة مضطرة للاستعانة باي قوة خارجية لمواجهة هذا السلاح حتى ولو دفعت ثمن ذلك من استقلالها وسيادتها وسلطتها؟
والسؤال المطروح ايضا هو: كيف ستنتهي المواجهة بين قوى 8 و14 آذار حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان؟ ومن سيكون الغالب فيها ويغير صورة الوضع في لبنان وربما في المنطقة؟ هل تنتهي مرة اخرى بتسوية لا يكون فيها غالب ولا مغلوب، وهي التسوية التي يعيش عليها لبنان منذ العام 1943 لان التركيبة اللبنانية الدقيقة لا تعيش الا على التسويات وليس على الحلول الجذرية، ضمانا للامن الدائم والاستقرار الثابت؟
اوساط سياسية ترى ان الاحتكام الى السلاح كما حصل اكثر من مرة في الماضي قد لا يكون مسموحا به هذه المرة، الا اذا كان وراء الاكمة ما وراءها، وذلك لاسباب منها:
اولا: ان اتفاق الدوحة لا يزال يعمل والقمة الثلاثية اللبنانية – السعودية – السورية لا زالت حية، وهو ما يضمن الامساك بالوضع وضبطه وجعله تحت السيطرة، الا اذا كان لقاء الاسد -نجاد الاخير عطل كل شيء…
ثانيا: ان عملية السلام الشامل في المنطقة بدأت بجدية وجهد قوي، وكل خلل امني يعطل سيرها، وهذا يشكل خدمة مجانية لاسرائيل ولكل اعداء السلام. فلا بد اذاً من انتظار نتائج هذه العملية كي يبنى عندئذ على الشيء مقتضاه.
ثالثا: ان اسرائيل تراقب الوضع في لبنان عن كثب استعدادا للانقضاض عليه عند وقوع حرب اهلية، خصوصا وهي التي كانت اول من "بشّر" اللبنانيين بها، محددة ايلول موعدا لصدور القرار الظني.
رابعا: انتظار صدور القرار الظني لمعرفة ما اذا كان يستند في اتهاماته الى "الشهود الزور" ام لا، وايضا انتظار جواب المحكمة الدولية النهائي على طلب اللواء المتقاعد جميل السيد لمقاضاة هؤلاء الشهود ومن وراءهم.
يبقى الطريقة التي ستتم بها معالجة ازمة الملاحقة القضائية للواء السيد، اذ انها قد تكشف حقيقة النيات، وما اذا كان ما يجري تحت الطاولة هو غير ما يجري فوقها، أو ان وراء الاكمة ما وراءها. وما اذا كانت البلاد تشهد الفصل الاخير من المواجهة حول المحكمة، فان ساعة الحقيقة وليست ساعة التخلي هي التي تكون قد دقت وسوف تظهر المواقف المحلية والعربية والاقليمية والدولية على حقيقتها وتنتهي لعبة الرقص على الحبال والازدواجية في المواقف التي تحيّر الجميع ولا احد يعرف من يحلب صافيا مع من … فإما تطير المحكمة وتبقى الحكومة او تطير المحكمة والحكومة معا…