#adsense

معادلة جديدة ؟!

حجم الخط

لا نرغب بالطبع في نكء الجراح، فنحن من أنصار التهدئة، وجعل الخطاب السياسي موضوعياً وعقلانياً، لكن ما يجري في البلاد الآن يجعلنا نتوجس ومعنا أغلبية مواطني هذا البلد المثخن بالجراح، وكل مواطن يسأل اليوم، هل فعلاً هناك محاولة انقلابية على الدولة والدستور والمؤسسات.

والواقع الذي كنا لا نتمناه على الاطلاق هو ان "حزب الله" ومنذ عام 2005 اصبح داعماً أساسياً لتقويض الدولة ومؤسساتها القضائية والدستورية، وإذا استعرضنا بعض ما فعله لوصلنا فعلاً الى هذه القناعة من دون أي لبس.

كلنا يتذكر الاعتصام ونصب الخيم في الاسواق التجارية، ومحاولة احتلال السرايا الحكومية للانقلاب على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وتفكيك السلطة آنذاك، وقد ادى هذا الامر الى ضرب الاستقرار في البلاد، وكاد أن يتسبب بكارثة اقتصادية، ولولا تدخل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز بناء على الموقف الذي رآه السفير السعودي في ذلك الوقت عبد العزيز خوجة لكانت البلاد قد دخلت في وضع خطير للغاية لا يعلم إلا الله الى أين سيؤدي بها، إذ تم بناء لهذا التدخل منع اقتحام السرايا.

المرة الثانية، ما جرى في السابع من ايار عام 2008، حيث اجتاحت عناصر "حزب الله" بيروت بالقوة العسكرية، وأدى ذلك الى ما يمكن اعتباره أخطر مرحلة في التاريخ الحديث بعد انتهاء الحرب الاهلية.

.. المرة الثالثة ما حصل في برج ابي حيدر من حرب شوارع، وأدى ذلك الى تدمير هائل، وقد اعترف مسؤولو "حزب الله" بأن عناصر الحزب المدججين بالاسلحة اقفلوا اجهزتهم لقطع الاتصال مع قيادتهم، في إشارة الى رفضهم الانضباط ووقف إطلاق النار.

.. وبالامس، تم الهجوم المسلح على مطار الشهيد رفيق الحريري لحماية جميل السيّد، ولكن لا أحد يعرف ممن اراد "حزب الله" حمايته، ولماذا هذه التظاهرة المسلحة؟ علماً انه خلال اربع سنوات امضاها جميل السيّد في السجن كان "حزب الله" متفرجاً.

…. إن هذا المشهد في مطار بيروت بالامس اساء الى سمعة لبنان، وأظهر المطار وكأنه مستباح، وهذه صورة سيئة جداً أمام العالم، وكأن لا دولة ولا قوى أمنية، إضافة الى أن مسؤول الامن في "حزب الله" السيّد وفيق صفا استقبل جميل السيّد عند باب الطائرة، فهل يا ترى يحق لمسؤول امني في حزب، أياً كان هذا الحزب، اقتحام حرم المطار ومعه مرافقة مسلحة من دون أي رادع؟!

وهل يا ترى يحق للمقاومة أن تستبيح المؤسسات ومرافق الدولة تنفيذاً لسياساتها؟

والحقيقة أن "حزب الله" أساء بمثل هذا التصرف الى صورة المقاومة، كما أساء الى الدولة ومؤسساتها.

… كان يستطيع "حزب الله"، وبأسلوب حضاري، إرسال نوابه الى المطار، ليستقبلوا جميل السيّد بهدوء وروية، ومن دون أي تظاهرات مسلحة ومواكبة أمنية، ومن دون هذا الضجيج، ولو فعل ذلك لما كان أحد لامه على تصرفاته المهينة بحق لبنان الدولة.

…. والحقيقة المرة بكل أسف أنه ومنذ مدة تكاد لا تمر ساعة إلا ويكون هناك تصريحات تصعيدية، ابتداء من إطلالات الامين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله التلفزيونية، الى نائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم، وصولاً الى رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد، مروراً بالشيخ محمد يزبك؟!! وكل هذه المواقف تركز على عنوان واحد هو، الهجوم على المحكمة الدولية، ولا بد هنا من التوقف ووضع الملاحظات التالية:

> أولاً: القرار الظني، أو الاتهامي، المرتقب صدوره قبل نهاية السنة من مدعي عام المحكمة دانيال بلمار لا علاقة له بالمحكمة وأحكامها، إذ ان لجنة التحقيق، وبعدها المدعي العام، لا علاقة لهم بالمحكمة التي وحدها ستصدر الاحكام، والهجوم على المحكمة – في هذا المعنى قبل صدور القرار الظني أو بعده، وقبل بدء المحكمة بجلساتها – لا يفيد على الاطلاق ولا يؤثر في مجرياتها.

> ثانياً: وأما محاولة رفض دفع حصة لبنان من تكلفة المحكمة، والذي تبيّن خلال اجتماعات لجنة المال النيابية، فهذه مسألة لا ضرورة لها على الاطلاق، إذ ان الذين يظنون أن عدم دفع لبنان حصته في المحكمة سيؤثر عليها فهذا غير صحيح، لأن الكثير من الدول ترغب في تمويل المحكمة، وعدم دفع لبنان حصته لن يوقف أعمالها على الاطلاق.

> ثالثاً: اذا ظن البعض أن لبنان يستطيع أن يلغي المحكمة فهو واهم، إذ أن مجلس الامن الدولي هو وحده المخوّل إلغائها، وهو الذي أقرها وتحت البند السابع.

… ومن الضروري أن نذكر، إن نفعت الذكرى، أن ليبيا التي كانت متهمة بحادث لوكربي، وبقيت عشر سنوات تحت الحصار القاسي والحظر الجوي بقرار من مجلس الامن الدولي، اضطر رئيسها معمر القذافي وتحت الضغوط الى تلبية كل ما طلب منه من دون أي مناقشة، الى أن اتخذ مجلس الامن قراراً برفع الحصار والحظر الجوي.

.. وهذا ينطبق أيضاً على صدام حسين، الذي اجتاحت قواته الكويت واحتلتها عام 1990، فاتخذ مجلس الامن الدولي قراراً بالعقوبات على العراق، وفرض الحظر الجوي حتى عام 2003 بعدما تمت إزاحة صدام حسين من السلطة بالقوة، وقد جرى إعدامه بعد احتلال العراق وتدميره.

ونذكر أيضاً أن سورية خرجت من لبنان تنفيذاً للقرار الدولي الرقم 1559.

… نقول كل هذا لنؤكد أن لبنان لا يستطيع إلغاء قرار دولي، إضافة الى أن المحكمة الدولية هي لأجل لبنان، وقد أجمع اللبنانيون عليها وعلى ضرورتها، ولكن، كل ما يجري يبيّن من دون أي لبس ان "حزب الله" لم يعد له هدف إلا إسقاط المحكمة، ولا ندري كيف وافق السيّد حسن نصرالله على طاولة الحوار على المحكمة، وكيف وافق وزراء الحزب في البيان الوزاري عليها، ولكنه اليوم لا يريدها؟

…. وعود الى بدء، فإن الضابط المتقاعد جميل السيّد هدد رئيس حكومة لبنان بالقتل، وهو لا يمثل إلا نفسه، ولا يملك أي قوة أو قاعدة، ولكن، على ما يبدو، استند الى قوة "حزب الله"، والتي استعرضها في المطار، ولكن في نتيجة الامر يكفي ما قاله مدير عام قوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي رداً على تهديد الضابط المتقاعد جميل السيّد، موضحاً "ان السجن للسيّد ولأمثاله وللقتلة الذي يحميهم"، لافتاً الى ان مواجهتهم ستكون في القضاء.

… والغريب جداً جداً، أن "حزب الله" يدعو دائماً الى الديموقراطية التوافقية، وكأنه يضع ما فعله جميل السيّد في هذا الاطار، فهل يا ترى تقتضي هذه الديموقراطية السكوت عن ضابط متقاعد يهدد رئيس حكومة لبنان؟

غريب هذا المنطق، كما هو غريب أيضاً أن تبقى البلاد سبعة اشهر من دون انتخاب رئيس للجمهورية في اطار من الديموقراطية التوافقية، بينما في لجنة المال يرفض نواب "حزب الله" الموافقة على بند تمويل المحكمة.

… في مطلق الاحوال، لافت ما قاله النائب محمد كبارة امس حول معادلة الشعب والجيش والمقاومة، ما يعني ان المعادلة الجديدة أصبحت المحكمة مقابل المقاومة، وهذا صحيح، إذ اصبحت أكثرية الشعب اللبناني مقتنعة بمثل هذه المعادلة، إذ عندما يقف "حزب الله" ضد المحكمة، وهي من اجل لبنان ومن اجل تحقيق العدالة، فهذا يعني ان المقاومة لم تعد حاجة، لانها على ما يبدو لا تريد مصلحة لبنان، ولا تريد الحقيقة وترفض العدالة.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل