#adsense

المتاجرة بالقضية (2)

حجم الخط

لن يكون بإمكان اللبنانيين أن يحافظوا على الاستقلال الذي استرجعوه في ربيع عام 2005، ما لم يُعَد تأسيس الحياة السياسية اللبنانية على قوى سياسية ولاؤها لبناني، تتنافس ديمقراطياً فيما بينها على أساس برامج واضحة، يحاسبها الناس انطلاقاً منها عند كل استحقاق انتخابي.

لم يعُد اللبنانيون في حاجة بعد الآن إلى قوى سياسية تنتظر كلمة السر الخارجية في كل شأن وطني، تزامناً مع تفوق انتمائها العشائري على انتمائها الوطني اللبناني، من دون إنكار حق القوى السياسية اللبنانية الجديدة في أن تأخذ في الاعتبار موازين القوى الخارجية، وأن تراعي الواقع الداخلي القائم على التعددية الثقافية والحضارية النابعة من التعددية الدينية.

ومن المؤكد كذلك، أن اللبنانيين انتفت حاجتهم إلى سياسيين من الصنف الذي سيعتلي منبر ملعب فؤاد شهاب بعد أيام، أي ذوي الطبيعتين: الطبيعة الإنسانية ووالطبيعة الإلهية، الذين تتبعهم مجموعات ساذجة من البشر، فتباع صورهم إلى جانب صور القديسين، لا بل جنباً إلى جنب مع صور السيد المسيح بذاته… ففي السابق، حول العرب جمال عبد الناصر إلى إله، وحاول بعض اللبنانيين تأليه بشير الجميل، وتحدث كثيرون قبل سنوات قليلة عن نور إلهي يحارون في مصدره: هل هو ضريح رفيق الحريري أم زنزانة سمير جعجع؟

لم يعد اللبنانيون في حاجة كذلك إلى قوى سياسية تحول الرموز الدينية إلى شعارات سياسية، فيما هي أبعد ما يكون عن تحقيق ما تدعي من أهداف سامية، وبات من المخزي والمضحك في آن، أن توضع لبعض السياسيين البعيدين كل البعد من الطهارة والعفة تراتيل تسبحهم بالتزامن مع شربل ورفقا والحرديني!

ما نحن في حاجة إليه راهناً في لبنان هو عمل سياسي مؤسسي، لا يقوم على الأشخاص، بل على المبادئ والأفكار التي تتطور مع الوقت، وليس من العيب أن يتحول قائد سياسي ما إلى رمز، لكن العيب- كل العيب- يكمن في التأليه والتقديس والانجرار وراء الأوهام التي لن تلبث أن تتبخر فيسقط الذين آمنوا بها أرضاً ويقعون مجدداً في ما أسموه إحباطاً.

إن تغيير الذهنيات والخلفيات الفكرية عند معظم اللبنانيين بات أمراً ملحاً. فالسذاجة السياسية المتحكمة بعقول كثيرين آن لها أن تنجلي، بحيث يدرك الجميع بأن العيش في الأوهام لن يؤدي إلا إلى 13 نيسان 1975 آخر، حين انهار المجتمع، فتفككت الدولة…

في 18 أيلول 2005 لاحت بارقة أمل في الأفق، فميثاق حزب التيار الوطني الحر حمل من المعاني ما يصلح ليكون قدوة لسائر القوى السياسية في المجتمع، مع تحويل مضمونه واقعاً مقنعاً وملموساً هو الطريق الوحيد للمحافظة على استقلال كلف آلاف الشهداء الأحياء والأموات، وآلاف الأسرى والموقوفين، وسنوات طويلة من الإبعاد والنفي…

المصدر:
موقع التيار الالكتروني

خبر عاجل